Atwasat

القاعدة.. الليبية تموت

نورالدين خليفة النمر الأحد 23 سبتمبر 2018, 10:52 صباحا
نورالدين خليفة النمر

ينتهي داعش الذي سميناه بتعريفنا غير المسبوق بتنظيم الدولة الموهومة، باختفاء فعاليته المُرتجلة وإمارته الشبحية بين سوريا والعراق وقد تنبأنا بنهايته المضمرة في بدايته الليبية بمقالنا "داعش ليبيا": انبناء مخيلة خوف ببوابة الوسط23 مارس 2015.

تُهمل مقالة بيتر بيرغن التذكارية في اليوبيل الثلاثيني "Yubileum" لتنظيم القاعدة: "مستقبل الإرهاب في الشرق الأوسط" التنظيم الأم. فترّكزت مؤشراتها وتكهناتها على تنظيم الدولة الموهومة داعش، وعقابيل مُهدّداته للغرب الحضاري. وقد تبيّنا في المقالة مصير الإبن الذي يرث أباه، ليموت في شرخ شبابه، فيضيع ميراث الأب، ولاينضج نصاب الإبن في الميراث، فلا تتبلور ملامحه في ارتجالية الفوضى والهشاشة التي تصطنعها تنظيمات الإرهاب الذي تروّج لإسلاميته اللعبة الدولية لصراع الثقافات.

وعلى ضؤ هذا يتمّ استعادة أسئلة رئيسة حول نهاية الجماعات الإرهابية الإسلامية وتأثير إجراءات مكافحة الإرهاب في موتها الوشيك. وتتألق في هذا الصدد دراسات تحفل بها أروقة البحث في علوم الإرهاب. منها دراسة: ليزا لانغدُن، وألكسندر شارابو، وماثيو ولز. مفضية إلى أن (25.8%) من المنظمات الإرهابية انهارت في أعقاب مقتل قائدها أو أسره. وتُستمدّ هذه النظرة من تقييم فقدان (35) قائداً في (19) جماعة سياسية واجتماعية وانفصالية، تضمّ مائة أو أكثر من الأعضاء، منذ العام 1750 إلى عصرنا الحالي. بينما يذهب براين برايس في دراسته الأكاديمية عام 2012 "كيف يسهم استهداف رؤوس المقاتلين في مكافحة الإرهاب؟" إلى المجادلة بأن الجماعات الدينية أكثر عرضة للتأثر باختفاء القيادة قياسًا بالجماعات اليمينية واليسارية الأخرى.. أما المقدّم في الجيش الأميركي نود تيرنر، ومشاركه في بحثه، هال براندز؛ فهما يتفقان مع برايس، ويعتقدان أنّ استبدال قادة الإرهابيين صعب؛ لأنهم يقودون منظمات سرّية عيفية وقائمة على القيم، وهذه الجماعات أكثر تماسكاً بسبب العنف ومخاطر أن تصبح هي نفسها ضحيّة.
هذه الدراسات ركّزت على زعيم التنظيم، والقيادات المقرّبة منه؛ المختفين في تجربتنا الليبية التي ينعدم فيها ـ لاعتبارات ثقافية محلية ـ الزعيم والأمير الكريزماتي، حيث يغطي الارتجال، وهو سمة ليبية صميمة، كل الموضوع. فحرّي بنا أن نركز على موت مبدأ تأسس التنظيم ذاته الذي يتلّبس في ليبيا إسلاماً آخر .. الإسلام الليبي المالكي لاعلاقة له به.
ما يلفت الانتباه في خاتمة مقالة بيرغن: التكهن بمصائر التنظيمات الإسلامية الإرهابية، بمعنى آية القرآن بما استطتعتم "تُرهبون به عدوّ الله وعدوّكم" في تمحور الجماعات الجهادية في المستقبل على اتباع النهج الاعتباطي الذي اتبعه داعش بحشد الأنصار من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، وتجنيد النساء، وإلهام ذئاب منفردة بهجمات مُدمية على القطيع الراتع في مباذل دار الكُفر. وإضافة براعات جديدة إلى تكتيكات الدهس بالسيارات والشاحنات التي يكاد يكون من المستحيل تحاشيها أو السيطرة عليها بالذات في دهس إحساس الحياة ومتعه واحتفالاته في ثقافة الغرب وحضارته. ومن المحتمل أن تشن شراذم البؤر الجهادية المشتتة في الغرب هجمات باستخدام قنابل مصنوعة من بيروكسيد الهيدروجين، وهي مادة متوفرة ومن السهل الحصول عليها. وفي أبعد التكهنات التي توحي بها المخيّلات التي تصطنع البنائيات النفسية للخوف أن تستخدم الجهاديات الإسلاموية طائرات مسلحة من دون طيار، والتي يصعب التصدي لها.
من بواكيره المُعتمة كنت أتشكك في صدقية ماسمّي بالجهاد الأفغاني، وأحسست بعبثيته عندما بدأ الليبيون يتقاطرون عليه، ليتبوأوا علامة محيرّة في شبحيته المزيّفة، وبعد ذلك ينالوا سريعاً،حظوتهم في تنظيم القاعدة، الذي وُلد من رحم ضياعه وقد حباهم زعيمه بالعطف والمؤازرة لمعطيات ميّزتهم عن غيرهم: بانتمائهم إلى بلد بترولي، المفترض أن لايلجئهم الفقر والخصاصة كغيرهم من الفقراء والمطحونين طبقياً وأغلبهم من شباب البلاد العربية والإسلامية الذين حاق بهم الحرمان وسدُّ الأُفق أمام آمالهم في حياة كريمة. ثم أن بلدهم يرفع رايات المساواة والثورية و يحكمه نظام متطرّف ضد الحكم الذي تظفر فيه العائلية الحاكمة بالسلطة والثروة، بينما يُحرم باقي الشعب الذي تعصف به المهدويات العدمية الشيعية والسنيّة، التي بدأتها 20 نوفمبر 1979 حادثة الاستيلاء على الحرم المكي التي قادها جهيمان العتيبي مدعيا هو و200 شخص ظهور المهدي المنتظر، إبان عهد الملك خالد بن عبد العزيز في المملكة السعودية. كما أن النظام الليبي مافتئ يرفع لافتة الديمقراطية الشعبية ضد الحكم الملوكي الأوليغاركي. وهو ما صعّب فهمَ السبب الذي دفعهم يتنادون إلى الدعاوى الجهادية والمساواتية في توهميّات الإسلام الراديكالي. الأسوأ أن الجهاديين الليبيين أغلبهم طلاب أوفدتهم بلادهم للحصول على كفاءات ودرجات علمية عالية من أمريكا وبريطانيا في اختصاصات علمية تحتاجها برامج التنمية في دولة بدأت مشروعاً وطنياً للنهوض المادي. فكانت هذه الانعطافة الجهادية مُراهقة، إضافةً إلى أن دوافعها غير مفهومةٍ من مراصد القرار الدولي في لعبة الأمم. فتغدوا بعد حادثة باب العزيزية الفدائية 1984 المبرّر السهل لتنصّل الدكتاتورية الليبية الحاكمة وقتها من مشروع التنمية الذي اضطرتها شعاراتها الانقلابية الأولى التي سُميت ثورية في الانخراط فيه.
يتواقت هذا العام اليوبيل " Yubileum" الثلاثين لولادة تنظيم القاعدة، مع تذكار حدث إرهابه التاريخي يوم 11 سبتمبر 2001. وقبل الموت الذي سيحيق برمزية التنظيم أعلنت حكومة الولايات المتحدة عام 2004، أن ثلثي قادة تنظيم القاعدة في الفترة من عام 2001، تم القبض عليهم أو قتلهم من قبل القوات شبه العسكرية بوكالة المخابرات المركزية الأمريكية. ومن القتلى أربعة ليبيين قُتلوا بصواريخ من طائرات، قبل قتلهم تبوأوا مراتب الرجل الثالث بعد زعيم التنظيم المؤسس، والثاني بعد نائبه وفي الوقت الذي اعتبر مقتلهم أميركيا من قبل المسؤولين على التخطيط والتنفيذ ضربة لها تأثير رمزي من الناحية العملياتية على التنظيم الإرهابي. إلا أن مكانتهم المزعومة كانت تثير دوماً الشكوك في نفسي ـ بحكم درايتي بالمجتمعية الثقافية الليبية ـ في الجدارة الآيديولوجية والتنظيمية لتنظيم القاعدة الذي تبنى هشاشتهم.
في نوفمبر2007، قيادي ليبي، انخرط في الجهاد الأفغاني، منضوىاً تحت تنظيم القاعدة أواخر ثمانينيات القرن الـ 20، انتقدعلناً نائب زعيم تنظيم القاعدة إعلانه انتساب جماعته لتنظيمه. المنظمة الجهادية التي تكلم باسمها كانت الجماعة الليبية الإسلامية المقاتلة، محرّضا قادتها الذين كانوا يقبعون وقتها في سجن النظام الليبي بالدخول في مفاوضات سلام معه. تكللت بالنجاح فطويت صفحة الماضي بين النظام الليبي والجماعة. وبعد المراجعات المصححة لأفكارهم واعتذارهم أفرج عن المسجونين بمن فيهم القادة الستة للجماعة عام 2009. لتنفجر في فبراير 2011 الثورة الشعبية الليبية، فتكون فرصة للجماعة الليبية المقاتلة لتقديم نفسها كجماعة مساهمة في حرب التحرير! وإحدى الفصائل المؤسسة لليبيا الثورية مابعد نهاية ماسمّيت بثورة الفاتح من سبتمبر 1969
من المفارقة الليبية أيضًا أن يصادف هذا العام الذكرى السادسة لاعتداءات 11 سبتمبر 2012 التي استهدفت دبلوماسيين في القنصلية الأميركية ببنغازي، تبنّت زعامة القاعدة الحالية الهجوم انتقاما لمقتل قيادي ليبي في تنظيمها، وقبله قيادين ليبيين آخرين في عمليات أخرى منفردة قامت بها أميركا في العشرية الأولى من القرن الـ 21 فآثارت بتصفيتهم مشاعر موت تنظيمهم في ضمائرهم. الهجوم على قنصلية أميركا في بنغازي التي كان يُسيطر عليها مجلس شورى ينضوي تحت الجماعة الليبية المقاتلة وتبنيّه من التنطيم الأُم في أفغانستان ضرب الجماعة الليبية المقاتلة في مقتل، وأربك ترتيبات لعبة الأُمم بإدماجها في مؤسسية تقاسم السلطة في الثورة الليبية التي يبدو أمامها الطريق طويلاً ومتعثراً لتأسيس دولتها المدنية الديمقراطية التي لايعترف بها الإسلام السياسي الليبي بكل أطيافه وأشباحه القاتلة.