Atwasat

قهوة بدون عناد .. أو توتر

جمعة بوكليب الثلاثاء 18 سبتمبر 2018, 02:09 مساء
جمعة بوكليب

قبل أن أستقل طائرة رحلتي عائداً رفقة ابنتي إلى لندن، تاركاً خلفي روما تتقلب فائرة في حرارة شهر أغسطس، أثارت إعجابي وأنا أتجول في السوق الحرّة بالمطار ركوة قهوة اكسبرس جميلة، فقررت اقتناءها مع عدد صغير من قراطيس البن المطحون ممنياً النفس بأكواب شهية لدى رجوعي إلى بيتي، وعودتي إلى ممارسة عبثي اليومي في قتل الوقت وهي عادة مكتسبة حديثاً وتحديداً بعد أن قررت الجهة التي عملت بها أكثر من عشرين عاماً تعليقي كقميص مهتريء على مشجب يدعونه التقاعد برسالة تحتوي أسطرَ قليلة، صيغت بلغة قدّت من خشب منخور، صيرتني نَسياً مَنسياً.

الذين صمموا الركوة وصنعوها ثم سوقوها لتباع للبني آدميين في كل أنحاء العالم توخوا البساطة والسهولة بحيث يكون في مقدور أي شخص استخدامها بدون تعقيد. ثلاثة قطع معدنية تؤلفُ مجتمعةً الركوة: إناء لحمل وتسخين الماء، ويوضع داخله بحيث يتساوى مع حافته قمع معدني بسطح مثقوب يوضع به البن، وتوضع فوقه قطعة معدنية أخرى على شكل إناء ثم يوضع الجهاز فوق النار لغلي الماء بحيث ينفذ البخار من خلال القمع المعدني المليء بالبن المطحون ثم يصعد البخار إلى القطعة العليا على شكل سائل ساخن أسود اللون فيه متعة للشاربين، وكان الله ويبقى الله.

المشكلة أنني منذ أن أحضرت الركوة إلى بيتي لم أتمكن إلا لمرّات قليلة من انتهاج الخطوات الصحيحة لعمل القهوة والعتب على شطحان عقلي لدى التحضير. أول مرّة قمت فيها بتجريب الركوة نسيتُ ملءَ الإناء المخصص لغلي الماء بالماء وكادت تحدث كارثة لكن لطف الله حضر. ونتيجة لطول مدة الركوة على النار ولشدة الحرارة انفرط مقبض الركوة. فرميت الركوة في حوض غسيل الأواني بالمطبخ وخرجت من البيت مباشرة إلى أقرب مقهى واستمتعت بشرب فنجان قهوة اكسبرس مختلطاً بمرارة نيكوتين سيجارتي حتى عاد إلى نفسي صفاؤها. حرصي في المرّات التالية على عدم نسيان ملء الإناء بالماء جعلني أنسى مرات عديدة وضع البن المطحون في المكان المخصص له.

الأمر الذي جعلني أرتاب جداً في مصداقية المثل العربي الشائع الذي يؤكد أن "التكرار يعلم الحمار". لتفادي الوقوع في هذه الأخطاء الجسيمة مرة أخرى، يقتضي المنطق والعقل أن أجهز ورقة واحدة أعلقها أمامي على خزانة حفظ الأواني ومكتوب عليها بخط واضح خطوات صنع القهوة بحيث لن يكون في وسع شطحات عقلي مهما تعددت أن تنسيني قراءة الورقة المعلقة وتتبع ما تحرص على تذكيري به من تعليمات. لكنني وبعناد تحسدني عليه بغال الدنيا، لم أقم بتلك الخطوة العملية النافعة، متجاهلاً ما يمليه العقل والمنطق، وهو الاعتراف ضمنياً بأن حواسي وقدراتي الذهنية، بفعل تراكم السنين، لم تعد كما كانت، وتحتمُ عليّ جراء ذلك القبول بما نالني ونال قدراتي وحواسي من ضعف وتلزمني بتكييف نفسي مع الوضع الجديد بحيث لا ترتبك حياتي، ويقل إلى حد ما توتري.

أحياناً، في لحظات صفاء ملحوظة، أفكرجدّياً في هذا العناد الذي يركبني كعفريت ويجعلني متوتراً في خصومة مع نفسي ومع العالم من حولي. ويعنّ لي، من حين لآخر، التساؤل حول مصدره: هل هو جزء من مكونات جينية موروثة أم نتيجة لثقافة اجتماعية مكتسبة جُرعتها منذ الطفولة حتى صارت جزءاً لا يتجزأ من نفسي وسلوكي في تعاملاتي الحياتية اليومية داخل البيت وخارجه؟

من ضمن تعريفات "العناد" في المعجم الوسيط : (عَانَدَ): كثيرُ الخلافِ، اللّجِاجِ. وأيضاً : اضطراب وظيفي عقلي يتميز بانحصاره في موضوع واحد. وعاند الشخص: خالف الحق وهو عارف به لإشباع نزوات أوميول شخصية."

معاجم اللغة الإنجليزية لا تختلف كثيراً عن نظيراتها في اللغة العربية في تعريف العناد وكلها تصبُّ في خانة السلبية باستثناء واحد يشير إلى استخدام إيجابي نسبياً للكلمة متمثلاً في "مقاومة عنيدة". هذا المصطلح جعلني أفكر مليّاً ملاحظاً لنفسي أنه ربما يكون عنادي البليد وليداً لمقاومة داخلية عنيدة ترفض الاعتراف والقبول بأنني دخلت مُكرهاً مرحلة عُمرية جديدة مختلفة لا تبعد كثيراً، زمنياً، من محطة قطاري الأخيرة. هذا التفكير الرغبوي رغم مصداقيته النسبية لا ينفي كذلك أنني، رغم سنوات تعليمي ووعيي وخبراتي الحياتية، إبن شرعي لثقافة مجتمع لم يخرج بعد من دائرة الإيمان بقدرة القنافذ على الكلام كالبشر وبقدرة الماعز على الطيران كالطيور، والعناد البليد، كالذي يركبني كعفريت، عملة رائجة جداً فيه حتى أن أفراده يقـــــــــرّون علناً بأنهم "شعب صعيب عناده"ّ!.

ونظرة صغيرة فاحصة لما حدث ويحدث في ليبيا من مصائب وكوارث خلال السنوات الثماني الأخيرة لا تؤكد ذلك بل تثبت أيضاً أن خروج ليبيا سالمة من دوامتها الراهنة قد يستغرق وقتاً حتى يقتنع عقلياً المواطن الليبي باستحالة قدرة قنفذ على الكلام، وتقتنع سياسياً النخبة التي تعتلي ظهرالبلاد حالياً باختلاف أطيافها بأن الحوار والتفاوض والوفاق وليس العناد والغنائم والسلاح هم السبيل الوحيد أمام مركبنا جميعاً للرسو على بر الأمان والاستقرار.

أليس من الأجدى متابعة بحثي عن حل لمشكلتي في إعداد فنجان قهوة مُرّة، بدون عناد أوتوتر، لعلي باحتسائه أخفف قليلاً من حدة ما ترسّبَ في قلبي عبر السنين من مرارات؟.