Atwasat

خدعوك فقالوا هجرة!

أحمد الفيتوري الثلاثاء 18 سبتمبر 2018, 01:49 مساء
أحمد الفيتوري

[يتأكدُ شيئا فشيئا سوءُ الفهم الفظيع الذي نخضع له كعرب في مجتمعات اللجوء والهرب، إنها غربة مزدوجة، عن بلداننا التي تركنا حروبها هربا، وعن أمكنة اللجوء حيث لا يريدنا ولا يقبل بنا أحد

الروائية هدى بركات

1-
كلما فكرت في كتابة المقالة السياسية التي أكتب خطر في بالي ونستون تشرشل وحصوله على جائزة نوبل للآداب، مندهشا من حصوله على كتابته لمذكراته على الجائزة، متسائلا ما العلاقة بين الأدب والسياسة؟، الخيال أس الأدب والسياسة فن الممكن كما تعلمنا منذ نعومة الأظافر، متذكرا أن تشرشل كسياسي محنك كثيرا ما عوقب باعتباره صاحب خيال متطرف، خيال السياسي ذا ما جعله شخصية استثنائية في العالم السياسي، وما جعلت جائزة نوبل تبرر لنفسها على الأقل هذا الاستحقاق.
لما شرعت في كتابة المقال خطر على بالي هذا، فقد تابعت الهجرة كما فيلم سينمائي لمخرج فنان خياله خصب، خاصة وأن مثلي تابعها عبر الشاشة الصغيرة، وانهمرت اللقطات من المصورين وعليهم كما مشاهد سينمائية في سيناريو كاتبه غامض، تغرض العتمة التي تشوب المشاهد المنسكبة ما تدهش وتجعل الأمر وكأنه حدث في حقب من ماض سحيق.
الهجرة الحديثة هذه ما تبدو تاريخية الوحي ما أنتج الشعر والروايات والقصص والأفلام والمسلسلات المصورة فحازت الجوائز، غير أنها تراجيديا القرن الواحد والعشرين مأساة إنسانية شابها الغموض والتعقيد السياسي فبدأت من الفنون، كما عمل فنان أو خيال سياسي شبيه ونستون تشرشل وزير المستعمرات، فرئيس وزراء الحرب الكبرى الثانية ما لا شبيه لها، وما تشبه الهجرة فيها هجرة القرن الحادي والعشرين.
الهجرة كما الإرهاب اصطلاحا القرن ما ظهرا كمسلمتين وتحصيل حاصل ليس ثمة ضرورة لتحديدهما، ولذا أطلقا على الشيء وعلى نقيضه بل وعلى ما لا يُفهم أيضا، مثلما المصطلح الإعلامي ما يعمي العقول: طائرات مجهولة.
الخداع من أساليب الحرب المبررة لكن في السياسة الخديعة كما الغش في لعبة لها قوانينها، ولهذا فإن قلت هجرة فلابد من تحديد لمقصودك وكذلك الإرهاب لأنهما فعلان في عالم السياسة وليسا فعلا حربيا، لكن ما يحدث يتمثل كما حالة حرب مما يستدعي الخداع. والكل يعرف أن الهجرة من مستلزم العمران البشري في كل الحقب التاريخية، وفي المستقبل فالبشر يعملون على استعمار الكواكب الأخرى.
لكن الهجرة في هذه اللحظة الاستثنائية قلبها صاحب الحاجة إلى غزو غير مبرر: هجرة غير شرعية. أو كما الإرهاب ما أمسى إرهابا دوليا لمنظمات دينية غامضة، ولم يعد لإرهاب الدولة مطرح بعد أن باتت الدول جميعا الكبرى كما الصغرى مغلوبة على أمرها.
2-
المغلوب على أمره المهاجر الوحيد من عدّ معتديا، أما الدول التي في احتياج شديد للمهاجرين فأظهرت حاجتها في صورة مقلوبة: دولة مغلوبة يجتاحها الجراد ما يأكل الأخضر واليابس.
عليه فإن الصراع بين اليمين المتطرف في ألمانيا والديمقراطيين المسيحيين حول احتياج الدولة الألمانية لأيدي عاملة تقارب المليون إلى فعل غير مرغوب، ووظفت الهجرة غير الشرعية من مناطق الحروب والخراب البيئي بخيال سياسي شيطاني في هذا الصراع: اليمين المتطرف سمى قبول الهجرة غير الشرعية لسد الحاجة الألمانية غزوا، فيما أطلق عليها اليمين الوسط واليسار عملا إنسانيا.
ألمانيا التي عقب الحرب ومع مشروع مارشال الأمريكي لإعادة إعمار أوروبا طلبت - وعملت على ذلك بإلحاح- المهاجرين الأتراك، ما أيضا فعلته فرنسا وبريطانيا مع أبناء مستعمراتهما السابقة، في القرن الحادي والعشرين يتحول الاحتياج إلى اجتياح، وإلى تنافس حزبي وبين دول الاتحاد الأوربي تحت ثقل مشروع مارشال أمريكي معاكس (ترامبي)، وفي هكذا حال لن تكون عمالة رخيصة يحتاجها السوق بل عملا حضاريا غير مسبوق، في السويد مثلا الحاجة لما يقارب نصف مليون من الأيدي العاملة الصراع الحزبي يحولها إلى عملية استقبال مهاجرين غير شرعيين.
المهاجر في كل حال مقتدر على الهجرة بالمال ولو القليل وبالجسد القوي ثم بالعقل المتميز، والاتحاد الأوروبي والصراعات الحزبية في بلدانه جعلت من الهجرة غير الشرعية كما مضمار لسبق الخيل وصراع من أجل البقاء، لا يحصل على السبق إلا المرغوب فيهم المميزون الأقوياء، أما البقية فتذهب جفاء.
3-
لم تُمنح نوبل جائزتها عبثا لونستون تشرشل، من بين أن ما بين السياسة والأدب ليس بحاجة لسفر (الإمبريالية والثقافة) لإدوارد سعيد، فالخيال السياسي من لزوم ما يلزم لعلم السياسة، وإن لم يُمنح ميكافيلي الجائزة فهو لا شك الأُس بأطروحته (الأمير) المُبرر لغاية نوبل في منحها الجائزة.