Atwasat

الخصوم الطيبون

محمد محمد المفتي الأربعاء 29 أغسطس 2018, 12:22 مساء
محمد محمد المفتي

بين فشل  الدولة، والصراعات اللامتناهية والمناورات التعطيلية، ألا يجدر بنا أن نبحث عن مقاربة مختلفة لحل أزمتنا المستحكمة؟.

لنترك جانبا لغة الحذلقة والمجادلات القانونية التي تغطي فقاعاتها شـاشات القـنوات وتحجب عـنا حقـائق الأمور.

ولنفترض مثلا من باب تأكيد حسن النية، أن كل أصحاب القرار السياسي عندنا، أي من يحكمون ليبيا الآن ويحملون ألقابا سلطوية، لنفترض أنهم أشخاص طيبون وحريصون على مصلحة الوطن. ولكن لكل منهم وجهة نظر خاصة حرصا على الوطن. وطبعا سيضع كل منهم اللوم على خصومه أو منافسيه.

اختلاف وجهات النظر أمر شائع في كل المجتمعات. وتضارب الآراء لا يعني أنها كلها خاطئة. تخيل أي حرب أهلية في بلد ما وفي أي عـصـر. ستجد من يؤيدها ويدعو لها، لأنها ستحقق هدفا ما، وليكن الحرية أو العدالة أو دفاعا عن فئة مستضعفة أو إرساء مذهب أو عقيدة. بالمقابل سيكون هناك من هم ضد الحرب، وضد الاقـتتـال، أيضا من باب الحرص على الوطن، لأن الحرب تدمر المدن، والاقتصاد وتترك البلاد نهبا لكل طامع.

أعتقد أن الكلام منطقي في مجمله. السؤال هو من يحكم على هذه التعميمات؟ ومن يفصل بين الرأيــيـن؟

في ظني، المواطن البسيط هو من سـيعطينا الإجابة الصحيحة فهو لا يحفل بالنقاش النظري ولا الدستوري، بل يؤسس أحكامه على القدرة الشرائية للدينار (كم يجيب لك؟)، وتوفره (السيولة) وسعر فردة الخبز أو خروف العيد، ومدى توفر الغاز والبنزين والكهرباء. وإذا فشل الحكام في رفع المعاناة، عليهم أن يرحلوا.

طبعا هـناك تفسيرات أخرى لفشل الحكومة مثل نهب المال العام وخدمة مصالح الأجنبي. لكن ما يحيرني، ليس مواقف ساستنا المتنفـذين فعليا، أوالدوافع التي تحرك بعضهم من قوى خـفـية سواء أكانت دولا أو شركات أو متاجرين أو مهربين ..إلخ. ما يحيرني هـو أن عـدد من يتولون المناصب العليا لا يتجاوز العشرة. نعم، وبالإسـم والعـدد.

هـؤلاء العشرة، ألا يشعرون بمعاناة المواطن؟ وألا يفكرون في حكم التاريخ عليهم؟ لكن دعونا من هذه المناشدات العاطفية. حين يمر المبعوث الأممي أو نائبته أو سفير دولة أجنبية ليجتمع بكل مسـئول على انفراد، أليست تلك اللقاءات في مجموعها بمثابة اجتماع مشترك؟ فما الذي يمنع هؤلاء الليبيين العشرة  أن يلتقوا في مكتب أو مربوعة في نالوت أو هـون أو أوجلة؟ أو في حقل نفطي بعيد أو حتى في غرفة إفاقة بمستشفى. وألا يستطيع سـفراء وقادة الدول التي تهتم بالشأن الليبي أن يرغموا هـؤلاء العشرة على الجلوس معا؟. 

وفي مثل هـذا الاجتماع، دعونا أولا نقتطع ونضع جانبا حق المواطنين في الغذاء والدواء والماء والكهرباء. ونقتطع مخصصات أخرى لصيانة الطرق والمطارات والمواني، والباقي مرتبات .. إلخ.

بهذه المعادلات البسيطة التي تتعقد كلما غصنا في تفاصيلهـا، يمكن أن نجــد مخرجا من هذه الأزمة. وبدونها سـتتواصل معاناتنا وتتفاقم، ويخسر الجميع!. لقد تجاوزت مسرحية اللقاءات والتوافقات والتراجعـات حدها الكوميدي. المطلوب حـد أدنى من الضمير والصدق والثقة، ومواجهة النـفـس فقط.

والشعب الليبي بريء من هذه الصراعات، و95% من الليبيين لم يشاركوا في النهب أو القتــال والتـدمير. فقط أولئك العشرة ومن ناصرهـم هـم المسـئولون عن أزمتـنـا وأيضا عن حـلهـا. قد لا يرضى المحللون وكتاب المقالات والمتحـاورون في الجلسات الخاصة عن مثل هذا التحليل، ويفضلون لغة الشتائم والإدانات، لأنها تفرغ شحنات الغضب وتنهي النقاش بسرعة بكلمتي الفساد والعمالة!!. لكن كل ذلك لم يـقـدنا إلى حل طـيلة السنوات الماضية.

و "كل سنة وانتوا طيبين".