Atwasat

السخرة الفكرية: أحمد خالد توفيق أنموذجا

عبد الكافي المغربي الأربعاء 29 أغسطس 2018, 11:58 صباحا
عبد الكافي المغربي

مضت شهور أربعة على رحيل الكاتب الألمعي أحمد خالد توفيق، الذي وضَعَ أدبًا رائعًا يبرز فرادة الكاتب في جناح يسمه التقهقر، ويشهد على نجاحه في تجاوز الواقع الأدبي المعاصر.

برز الكاتب من خلال أدب الإثارة الذي يعد مؤسسه الأول في العربية، كما كان وال بول مؤسسه في إنجلترا، وإدغار آلان بو في أمريكا.

وسجل توفيق كتابته السائغة في سلسلة مشوقة استهلت برواية الجيب الأولى في العام 1991م. وكان كاتبنا يسعى من خلال أدب فتان زخم بالتنويهات الطريفة والاهتزازات المشوقة، إلى إنشاء جيل ثري بالمعرفة يحقق ما تجول في نفس المثقف العربي من آمال.

وكان يبين له التأكيد المؤلم أن الأدب العربي في لبوسه الحاضر يتردى في مهاوي "الخبرية"، التي تدنى إليها العقل لتفقد الحكمة الشرقية والفلسفة الكلاسيكية قيمتها أمام سخافات ألف ليلة وليلة والقصص السحرية الأوروبية في العصور التي اكتنفتها الظلمات.

وخيل إلى كاتبنا أن قراء سلسلته من المراهقين والشباب سيقتبسون من الأفكار النيرة التي يضمنها رواياته جذوة يستضيئون بها، وأن الأدب سيرقق فظاظة النفس العربية، وأنه من خلال معرفته الواسعة في العلوم التطبيقية يشير إلى منزلة العلم في المجتمع الحديث وما بلغه بهذه المنزلة من غايات بدت ممتنعة، لعله يقرِّب ما كان بعيدا، وعبْرَ إشارته إلى كتب عظيمة المكانة بلغت الغاية في مجالها يعد النشأ لقراءات أرحب.

وقدَّر عليه إبداعه لأدب الشباب الذي لا يلفت النقاد أن يظل مغمورا في المجتمع الثقافي سنينَ طوالا، لا يشفع له أن الشباب العربي من أقصى الجزيرة إلى أبعد أصقاع المغرب يقرأ له في شوقٍ وتفان. ولم يكن صاحبنا يبالي بذلك، ولا يبالي باعتصار الناشر لموهبته على تلك الصورة الفظيعة، طالما أن مبادرته تحرز أهدافها.

حتى إذا ما طالعت روايات الكاتب في عهد قريب، إذ لم تتوفر على منصة صوتية في شبابي الأول، ولما أن قرأت مراجعات القراء في good reads أو أبجد، تبين لي، وتماما تبين لخالد توفيق لدى نشر أعماله الكبرى (يوتوبيا، مثل إيكاروس، ممر الفئران)، أن جهده كان يصب في وعاء مثقوب. فمن جهة كان الشاب يقرأ الرواية دون أن يتخذ وضعيةً لائقةً أمامها، موقفًا متباينًا مع موقف نظارة المسرح أو رواد السينما إزاء موضوع المشاهدة، ومن جهة ثانية كان استغلال دار النشر إلى جانب إخفاق المحاولة التنويرية التوفيقية وتجاهل النقاد للمبدع الأول والحاكم على مجاله، ذلك التأكيد وهذه التفاعلات السلبية كانت الباعث لرؤيته السوداوية التشاؤمية لمجتمع مريض ينهكه الاستبداد، ولا يعبأ فيه أحد بطموح الشباب البُلَهاء، ويَفُّت فيه التفاوت.

ولقد كانت حياة أحمد خالد توفيق مثالًا للسخرة الفكرية التي تحدد مصيرًا لا مرد له لكل مبدع عربي. فبالمقارنة مع روايات دان براون التي تقرع لها الطبول وتُبنى على نصوصها الأفلام السخيفة التي تكلف عشرات الملايين، يمكنني القول أن مثل أيكاروس كانت لتكون من بدائع الخيال العلمي وأدب التحري في الغرب، وأنها كانت لِترفع الكاتب من دَرَك عيش الكفاف إلى ذروة اليسار لولا أنه كان عربيا مصريًا.

وإذا أزحنا استنزاف الناشرين للمبدع العربي وضآلة الحوافز المالية التي تقدمها الجوائز الأدبية إلى جانب، وإذا نظرنا في إقبال شبابنا على الملفات الإلكترونية التي تُرفع بغير ضابطٍ على الإنترنت، ظهرنا على الجانب الثاني من مأساة الكاتب. نعلم أن الكِتاب الورقي قد انقضى أجَلُه في العالم المستنير، وأننا قد لا نظهر له على أثر بعد عقدٍ إلا في المكتبات الأثرية التي تفخر بها أبهاء مساكن الموْسرين، أو المكتبات الوطنية التي تُتمثَّل مكانًا خاصًا ينطق بالقِدم والعراقة.

وإذ تُتَداول الكتب الإلكترونية العربية على الشبكة بدون مقابل، صح أن تزداد وطأة هذه السخرة ثِقلًا على الكاتب الذي يطمع أن يستعين بعائدات ما تلا من طبعات في مصاريف بيته، وغدا المتضرر الأول من انتشار أعماله بدون ترخيص، ذلك أن الناشر يكون قد حقق أجم الربح من مبيعات الطبعة الأولى في جميع الأحوال.

ونعود ثانيةً وأخيرًا إلى المقارنة بين حال كاتب مبدع عظيم الموهبة غزير العلم بكاتب آخر قد يكون أقل منه حِذقًا في الغرب. وفيما تُمنح جوائز سخية للأعمال التي حققت مبيعات أكبر أو سجلت جدةً أو تفادت كليشيهًا، ويقف وكيل أدبي إلى جانب الكاتب يدفع عنه غائلة الناشر، وتجري ملاحقة المواقع التي تنتهك قانون الملكية الفكرية وتضع المسؤولين عنها في مصاف مجرمي الأنترنت الأسود، وتطرح الأعمال لجمهور أوسع من القراء الغربيين ومن يحسنون لغة الكتاب، ويُطلب مقابل مرتفع لبيع حق التصرف للمترجم، يكون المقابل تمامًا بالنسبة لمن يبدع في العربية، حتى إنه ليخيل إلي أنك ببذر طفل في البحيرة الآسنة ترسل عليه لعنة غاشمة، وبصورة خاصة، إذا غَلب نشاطه الإبداعي على ما عداه.