Atwasat

فلاسفة من ليبيا

سالم الكبتي الأربعاء 29 أغسطس 2018, 11:56 صباحا
سالم الكبتي

(وكانت قورينا هناك فى قمة الجبل تضخ حكمة وفلسفة مع روائح أزهارها البرية. إنها إحدى مدن العالم القديم مع الأخريات.. الإسكندريه ولبده الكبرى وقرطاجه. كانت هناك. وفيها نشأت العلوم ودور الحكمة والثقافة والرياضة والطب. كانت أشجار الجبل ونباتاته التي على مد النظر معملاﹰ حياﹰ لاختبارات الأدوية والعلاجات. وهناك أيضاﹰ نشأت الفلسفة القورينائية. فلسفة في ليبيا.. وأين؟ هناك على قمة الجبل الأخضر فى برقة. رجالها كرنيادس القورينائي وسونسيوس القورينائي وتلاميذهما. والأكاديمية وأرسطو وأفلاطون من بعيد. مناقشات وحوارات. وثمة مذهب اللذة الذي طلع هناك بين أشجار السرو. والمشاؤون الفلاسفة. مدرسة المشائين الذين يمشون بوقار فى شوارع المدينة لحظات العشايا وبين الأروقه والوديان.. بلغراي وشقيقاته يتحاورون ويتناقشون ويتنفسون فلسفة وحكمة. وكان هناك تاريخ.. وكانت هناك حضارة نمت وتجددت وتفلسفت أيضاﹰ.

فى دراسة ممتازة للأستاذ محمد حمي عن المدرسة البرقاوية الفلسفية وأهميتها التاريخية نشرها فى مجلة  (الضياء) ببنغازى عام 1957 يقول: (أْهمية هذه المدرسة هى أنها حاولت لأول مرة إيجاد فلسفة للنزعات الغريزية الإنسانية الخالدة.. فإذا وصلت إلى مجرد نتائج سلبية فى هذه الفلسفة وذلك لأنها هى التي ابتدأت تاركة للحكماء مواصلة السير للوصول إلى الناحية الإيجابية لتحقيق الخير العام عن طريق اللذة. أقول إن (أرستيت) هو زعيم مدرسة برقة الفلسفية.. تلك المدرسة التي استطاعت أن تناقش فى تطورها جانباً من الخير للإنسان أغفله سقراط بعدم تحديده. وسواء كانت هذه المدرسة من أصل إغريقى أو غيره فذلك لايهمنا بقدر ماهى برقاوية لازالت يعتبرها الفلاسفة علماء الأخلاق (القورينائيه) نسبة إلى قرنه التى يتغنى بها شعراؤنا المعاصرون وتكون جزءا من هذه الأرض الطيبة التى أروتها دماء الأباء والأجداد ذوداﹰ عنها. وواجب الشباب أن يبحث فى هذا التراث الفكرى للبلاد ليقدم للعالم البرهان بأن العبقرية ليست وقفاﹰ على أمة دون أخرى..) انتهى الاقتباس. فهل ثمة من يبحث ويتقصى أخبار شايب من شياب إقرنه؟

كانت قورينا وكانت الفلسفة والحكمة

كانت قورينا وكانت الفلسفة والحكمة. جدل ونقاش وحوار لاينتهى بين أثينا المقابلة فى الضفة الأخرى  عند الأكروبول ويصل إلى قورينا على قمة الجبل. ومدارس فى الفلسفة عريقة. ثم انتهى العالم القديم.. ونهضت حضارات أخرى واختفت أيضا. وقامت ممالك وسقطت دول. وحدثت فتوحات واندلعت حروب. وظلت الفلسفة عنواناﹰ جميلاﹰ.. أم العلوم ومصدر الحكمة. برز المتكلمون فى الإسلام واستفادوا من اليونان والهند وفارس. فلاسفة فى البصرة وبغداد والأندلس. ومدارس فى الفكر والفلسفة والحرية والمذاهب العلمية والتجارب الإنسانية. أخذت وأعطت دون تعصب. هكذا الحضارة.. هكذا العلم ياسيدى ملك لبني الإنسان الذين يمشون على اثنين والعقول في رؤوسهم. ظهر ابن رشد والفارابى وابن سينا وابن خلدون وابن حزم. وقبلهم الأشاعرة والمعتزلة والماتوريدية وغيرهم. المنطق والجبر والحساب والتوحيد وعلم الكلام والأخلاق والجمال والموسيقى. مدارس وفلسفات ولدت وتلاقحت مع الشرق والغرب. وأخذت من القدامى. لا تعصب. لا تحيز. فلاسفة وحكماء ومتكلمون يفيدون العالم رغم الاختلاف وظلت الفلسفة أم العلوم والحكمة.

كانت هنا فى برقة مدرسة ليبية للفلسفة فوق قمة الجبل عند السرو والبطوم والصنوبر والشماري. وكان هناك تاريخ. ثم مرت الأعوام الطويلة. الزمن يجري. الحضارة تتجدد بعد أن تبيد سابقتها. جاءت مدرسة أخرى ليبية حديثة. تأسست الجامعة الليبية عام 1955. كان من بين أقسامها في كلية الأداب أولى الكليات قسم الفلسفه. أنشأه ورعاه أحد أساتذة الفلسفة الكبار: محمد عبدالهادى بوريده.. بدأ القسم بطالبين وانتشر عدده. حاول بوريده الأستاذ والعالم أن يوصل القديم بالمعاصر. بادر باختيار واكتشاف وتشجييع بعض تلاميذه لدراسة الفلسفة والتخصص فيها وتوجيههم للبحث والدراسه في مسائلها. كان يريد وضع حجر أساس لمدرسة فلسفية علمية متخصصة فى ليبيا. اختار من الدفعة الأولى عام 1959 : إبراهيم الهنقاري ومحمد بالروين ومن الثانية 1960: محمد أحمد الشريف ومحمد حسني شعبان ومن الثالثة 1961: محمد عبد الكريم الوافي ومن الرابعة 1962: على فهمي خشيم ومحمد ياسين عريبي.

واصل البعض. منعت الآخر الأعباء الوظيفية ومشاغل الحياة وأشياء أخرى عن المواصلة. كان الأستاذ بوريده فيلسوفاﹰومتصوفاﹰوعالماﹰ بحق. ثم معه ومن بعده حضر فلاسفة وعلماء كبار: محمود قاسم ومحمد علي أبوريان وتوفيق الطويل وأحمد فؤاد الأهوانى وعثمان أمين الذي أسس الفلسفة الجوانية فى مقهى العرودي وفي شوارع بنغازي الضيقة. وحسين سلامه الجوهرى. وعبدالرحمن بدوي الذى اهتم بتاريخ الفلسفه في قورينا. ونوري جعفر وياسين خليل وحسام الألوسي وتوفيق رشدي وغوث الأنصاري وعزمي إسلام وفتحي الشنيطي وعادل فاخوري وكريم متي.

علماء من مصر والعراق والهند ولبنان التقوا فى بنغازي وعلموا الفلسفة بها

علماء من مصر والعراق والهند ولبنان التقوا فى بنغازي وعلموا الفلسفة بها. المدرجات تعبق بالفلسفة بين الطلبة والطالبات وحديقة الكلية فيها يناقش الفكر الإنسانى ومحاورات في الجدل ومؤلفات في المنطق والمثالية وما بعد الطبيعة وفلسفة ديكارت وهيغل وماركس وفلسفة الإسلام واليونان والعصور الوسطى.. وأرسطو وأفلاطون وقورينا التي فوق قمة الجبل. فلسفة قورينا ومدارسها.. امتدت عبر التاريخ.. وصارت في الجامعة الليبية قسماﹰ ومنهجاً ودراسات عليا ومحاضرات وفلاسفة عرب وأجانب.. ومحليون يستفيدون ويفيدون.
ثم ظهر من الفراغ من ادعى التفلسف وقلب الفلسفة إلى التفسير وجعل من نظريته المضحكة فلسفة ومنهجاﹰ!! صارت فلسفة الانهيار والتخلف والجهل تضرب ليبيا ليلاﹰ ونهاراﹰ. لم تعد الفلسفة  أماﹰ للعلوم أو مصدراﹰ للحكمة. أضحت عنواناﹰ للتندر والضحك.

الآن.. الآن ياسيدي لدينا فلسفات وتفلسف من نوع آخر. عندنا فلسفة الحقد والانتقام والتشفي والحرب والانقسام.. والجدل العقيم والهرطقة الفارغة بين الزعماء ومدعي النضال الذين يجيدون الركوب فى كل الأوقات. فلسفة الكذب والخبث العقلي والفكرى وبقية الأمراض. فلسفه تفتح زنزانة رهيبة فى قلب الوطن.. وتغلق في ظلامها على دماغ المواطن. من لنا بقورينا.. والجامعة الليبية من جديد.. ومدرج مثل مدرج رفيق.. وأساتذة مثل من سبق.. من لنا بأولئك الفلاسفة في ليبيا الذين أعطوا من بين الصنوبر والبطوم و أزهار القرعون.. وصفوف المدرجات.. ليعلمونا الحكمة والحوار وصوت العقل.. بحرية ودون خوف.
أجل. دون خوف!!