Atwasat

مأساة التعايش مع المأساة

أحمد الفيتوري الثلاثاء 28 أغسطس 2018, 11:22 صباحا
أحمد الفيتوري

أولا: أنت غيرُ مؤهلٍ للحرية

يتم التوكيدُ لعملية التعايش مع المأساة بطرقٍ عدة ووسائلَ كُثر، فالغايةُ تبررُالوسيلة، ما هو شعار حزب الشيطان: الخوف والإحباط والعصبية، ومن هذا نحن غير مؤهلين للحياة التي تعني الحرية ما أرضعنا منذ الولادة شعارها: كيف يُستعبد الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحررا أو كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

ليس هذا درساً في الإنشاء في المدرسة الابتدائية أو اتكاء على قولة ابن الخطاب التي ألقمونا في تلكم المدرسة، بل لتوضيح أن الاستبداد يُبرر وجوده بقولة: "في الحاجة تكمن الحرية" قولة معمر القذافي المستبد من برر وجوده لأربعين حولا ويزيد بأنه سيد الحرية والمحامي الأول، لهذا كان الجزء الأول من كتابه الأخضر في الديمقراطية التي لا أحد يجرؤ بالتصريح أنه ضدها بل يزايدون بأنهم الديمقراطيون!، وحتى أنهم يضعون العصي في دولابها للحفاظ عليها ولأجل نقائها.

إذا وهم يعملون من أجل توكيد أننا من الشعوب التي لا تستحق الحياة، يفعلون ذلك بوسائل توكد أن التعايش مع هكذا مأساة استحقاق يفرضه الواقع، وأنهم ديمقراطيون يدافعون من أجل الديمقراطية التي لم ننضج بعد للعيش تحت ظلالها الوارفة، أي هم ديمقراطيون لكن نحن غير مؤهلين فحسب لمنحنا هذا السبيل إلى الحياة.
وفي الحالة الليبية يتكؤون على ما خضنا من انتخابات سابقة وفشلها كي يركلوا بإرادتنا وأرجلنا هذه المرة صندوق الاقتراع: فليس بصندوق الاقتراع وحده يعيش المرء.
والانتخابات عند هؤلاء وأولئك كانت نتائجها أنهم حصدوا الخسران ما جعلهم يُرجعون فشلهم هذا لفشل الليبيين غير المؤهلين للديمقراطية للحرية للحياة، هم من رفعوا السلاح في وجه صندوق الاقتراع مرآة خيبتهم وتقاتلوا من أجل الاستحواذ على السلطة وركلوا صندوق مأساتهم، وهذه المرة لا يفصحون عن مرادهم ذاك بل يُصيغون مبررات ما أنزل الله بها من سلطان، كأن المرحلة غير مؤهلة والاستحقاق لم تنضج النفوس له، أما جيراننا الإيطاليون طيب الله ثراهم هم الأكثر حرصا علينا منا نحن القُصر.

ثانيا: جوع كلبك يتبعك
ليس هذا القول/ الفعل: جوع كلبك يتبعك وليد اليوم بل سليل العسف منذ أول التاريخ، وذلكم يدلل على أنهم رعاة يحمون نعاجهم بالكلب ما جوعوه، ولأربعين حول ونيف جعل القذافي من الليبيين هذا الكلب، أما وارثوه فلم يحيدوا عن خارطة طريقه طريقة.

هذه الطريقة/ السياسة نفذها بحرفية أمين صندوق مال الأمة (بنك ليبيا) بأن جعل من أغلبية الليبيين جوعى وبأن جعل من المال زوادة  لشعلة الحرب، فالأزمة المالية والاقتصادية في ليبيا مضطردة ومتفاقمة ومهما زاد دخل البلاد فإن سيولتها في نقصان وعملتها وكذا المعاش.

الحقيقة البينة حول دوافع هذا بينها المثل وفعل القذافي السابقة التاريخية والمرجعية، ثم هذا السيلان المضطرد للمسألة الليبية التي لا تخرج من منزلق إلا لتقع في حفرة أخرى معدة سلفا، بحيث أن عنق الزجاجة يطول كلما اقترب من منفذ الزجاجة.

أما من يفعل هذه الإطالة فهم الخصوم المحليون وعُضداهم الإقليميون، وذوو النفوذ الدولي من لهم مصالح في ليبيا أو في المنطقة، ومن يريدون أن يكونوا جديرين بأنهم دول عظمى، مما يوضح أن المصلحة ليست أحادية الجانب ولا مباشرة.

من هذا بنك ليبيا ليس ليبياً محضاً لذا انشطرت العُملة الليبية وأيقونتها عمر المختار شيخ الشهداء بين بريطانيا وروسيا، وكذا انشطار انعكس في أنه كلما زادت طباعة العملة زاد نقصان العملة كقيمة وكورق في السوق، ثم زاد حشر الليبيين في أزماتهم ومعاشهم اليومي، وكانت مهمة الميديا أسهل بأن تصور الطوابير، ما يجعل الفصل الثاني من الكتاب الأخضر الحل الاقتصادي! حلا يتمثل الجزرة المربوطة على رأس الحمار ما لا يطالها مهما تحرك نحوها.

هذا يبين أن الحل الاقتصادي لب المسألة الليبية، وأن الصراع والاحتراب يلفان ويدوران حول الكعكة التي أسميتها في أيام فبراير الأولي: كعكة فبراير.

ثالثا: ولا تُؤمنهم من خوف
الخوف أسهل وأنتج سلعة استهلاكية لاستثمارها، والخوف رديف الجوع الذي يجعل المرء أكثر قابلية للخوف، وهذا من نافلة القول وما لا يُدركهُ البعض أن الخوف يسلبُ العقل فيكون المرء طفلا مرة ثانية مسلوب الإرادة يمكن حشوه بالعفاريت والغول، مثل أن الديمقراطية سبب البلاء -وكأن الليبيين وغيرهم من جيرانهم غرقوا في بحورها- والسبب أنت غير المُؤهل للحرية.

ترويج بضاعة الخوف لا يحتاجُ جهدا ووقتا ومالا فقط استخدام أقدم الوسائل، الجوع أولا ما يحول الإنسان إلى كلب يتبعك، ثانيا انتشار عدم الأمان، وفي هذا أذكر في مدينة كبنغازي مدينتي في الشهور الأولى لثورة فبراير انتشر إطلاق الألعاب النارية الصوتية والمرئية بغزارة حتى أن المعاش لم يَعُد يطاق، ترادف هذا وإطلاق الإشاعات بانتشار السلب والاغتصاب والخطف بتضخيم ما يحدث منه فعلا، وكان الفعلة بهذا يبغون أن يشعر المرء في بيته بذلك فيسكن الخوف في نفسه، هذا حدث مع بدء إرهاب الإرهابيين من يرفعون القرآن على آسنة الرماح.

ترويج الخوف ينتج ترويج الفرقة والانقسام وتطرف الانزواء فالتحصن بالذات والعصبية، مما يسهل السيطرة وإدارة الناس من باتوا أطفالا بلهاء فكلابا تتبع من جوعها، وهذا حصل في بلاد كليبيا ما بين 1969 – 2019 م!، أي لنصف قرن هو الأهم في تاريخ البشرية نحو الحرية والتطور وسكن الفضاء، في مرحلة الموجة الرابعة حيث أمسى العالم بيتا واحدا وأقصى نقطة فيه أقرب من الوريد.

ولذا كلما بدا أن بالإمكان أبدع مما كان وأنه أمكن دحر الإرهاب ولاح فجر الأمان تقام عملية إرهابية هنا أو هناك، وليست عملية وادي كعام إلا مثال ذلكم التي مهد لها الإعلام الأمريكي -ثم استخدام الأمم المتحدة في تقاريرها لما جاء به هذا الإعلام- بأن جيوش داعش في ليبيا تتجاوز بعض آلاف، ولله الحمد لم يقل بعد بعض عشرات الآلاف، وقبل صرحت جيوش أمريكا التي منحت نفسها مهمة محاربة الإرهاب بأنها قضت على داعش وإرهابه في سرت ومحقته وأنها اقتلعت جذوره من البلاد.

وأرى أن أمريكا ومن على شاكلتها هم "الصّباح" زعيم دولة الحشاشين، من أراد إقامة وسيطرة دولته عبر الإرهاب، ووسيلته لتبرير غايته الحشيش بكل ما تعنيه المفردة من دلالة ومجاز وحتى استعارة.

تعليق: المأساة التعايش مع هكذا مأساة.