Atwasat

المرابطون الأسياد (6)

سالم قنيبر الثلاثاء 28 أغسطس 2018, 11:08 صباحا
سالم قنيبر

لم يكن من المألوف أن يسمح للصبية بحضور مثل هذا المجلس الليلي الخاص بالرجال. واحد منهم فقط أصبح وجوده في المجلس مألوفا لا يثير التفات الحاضرين، يجلس متربعا أو متكئا بجانب سيدي مفتاح، وأحيانا يأخذه النعاس فيذهب في النوم، بينما يستطرد سيدي مفتاح في متابعة الحديث عن أبي زيد، أو ذياب، أو يونس ويحي ومرعي والزناتي أوسعدة والجازية والآخرين من الأمراء والفرسان.

بطلب من عمته سليمة سمح للصبي بحضور مجلس عمي مفتاح. ولم يمانع والده.

فقد أصبح لعمتي سليمة شأن يذكر وكلمة مسموعة عند الجميع. رغم الاستخفاف الذي كان يبديه المتميزون من رجال العائلة تجاه سيدي مفتاح، لبساطته وعدم المشاركة الجادة له في شئون الحياة.

ستقوم القيامة، إن لم تروَ سيرة بني هلال سبع مرات في اليوم، تلك العبارة استقرت في مخيلة الصبي بعد تكرر سماعها من سيدي مفتاح، وخَـلَّفت عنده شعورا بأن مهمة مقدسة يقوم بأدائها هذا الرجل الطيب يشارك بها في حفظ الكون من الزوال. وعندما سأل عمته سليمة عن خبر يوم القيامة وصلته بسيرة بني هلال أكدت له الخبر؛ وكان يحس بالرضى يكسو ملامحها وهي تستمع إلى ما ينم عن اهتمامه بمتابعة أحاديث زوجها، مما جعلها تطلب من سيدي مفتاح أن يتيح للصبي المشاركة في مجلسه الذي يعقد ليلا أو في المساء... كانت عمتي سليمة تحب سيدي مفتاح وتعجب به وتهيء له أسباب الراحة.

وسيدي مفتاح أيضا كان مغرما بعمتي سليمة، لكن الكبار من رجال العائلة كانوا يقولون بأن سيدي مفتاح (محكوم) من عمتي سليمة، وقد أدرك الصبي من خلال سياق تداول هذه الصفة التي تطلق على الرجل الطيب في غيابه، أنها كانت  تعني التقليل من شأنه.

- هلالية عمتك سليمة، وتمثلت الهلاليات اللائى يرد ذكرهن كثيرا في ما يرويه سيدي مفتاح. المارية، علياء، الحجازية، أو وطفى ابنة ذياب. تمثلن للصبي، في المظهر الذي تبدو عليه عمته سليمة، سمراء، نحيفة، طويلة القامة، ذات شعر مجعد فاحم السواد، كثيف وطويل، تلفه في ضفيرتين.... ولم تكن ملامح وجهها تحمل الطابع الزنجي.

- أبو زيد، بطل أبطال الهلاليين، الفارس المنقذ الذي يلجئون إليه في الملمات، يضرب به المثل في الشهرة. فكل من علا له ذكر أو ارتفع له صيت هو أبو زيد زمانه. وسكة أبي زيد كلها مسالك، لا يعدم حيلة، وعنده لكل عقبة تعترض الهلاليين وسيلة.

من نجد التي تعرضت للجفاف، كانت هجرتهم وإلى أراضي الغرب كانت وجهتهم، وكانـت مصر ثم  تونس مقصدهم.

السهول.. والبوادي.. والهضاب أيضا. الواقعة بين مصر وتونس، التي قطعها بنو هلال واستقر بها بنو سليم، لم تكن أحداثها ـ وهي غير ما يروى في هذه التغريبة ـ خرافة يقصها على جلسائه في المربوعة سيدي مفتاح، ليشارك بها في حفظ الكون من قيام يوم القيامة. كان لأحداثها في التاريخ من الواقع الذي غيّر في معالم الوجود البشري، وكتاب جديد ألحقت بصفحاته الأخيرة وثائق تدلل على ذلك الوجود. وكان لبلاد المرابطين الأسياد نصيبها الوافر في أحداثها وما تركته من الآثار.

- ولم يكن سيدي مفتاح يروي الأحداث في تتابع، كما أنه لم يكن يتعرض لذكر الهلاليين بما لا يليق. ولم يكن يرى لأخبارهم نهاية، كانوا عنده ملء الزمن امتدادا واتساعا. لكن حدثا وقع، فبدل من موقع الصبي وأبعده عن مجلسه برفقة الكبار، وخلف أثرا غير مريح  كما  -لاحظ  - لدى سيدي مفتاح.