Atwasat

بالقرب من تندوف

صالح الحاراتي الثلاثاء 28 أغسطس 2018, 11:06 صباحا
صالح الحاراتي

كان الوقت منتصف نهار يوم صيف حار وكنت في استقبال مجموعة من الرفاق قادمين لتوهم من دورة تدريبية على فنون القتال، فيما نسميه وقتها بـ "النشاط الخاص". وأظنها كانت الدورة الأولى في ما أتذكر حيث التحق بها عدد محدود من  خارج المنطقة التي كنت أقيم بها.

قمت بواجب اﻻستضافة في شقتي حسب إمكانياتي المتواضعة، حتى غادروا إلى مكان إقامتهم. لا أتذكر للأسف الكثير من ذكريات تلك الأيام. فقد مرت أكثر من ثلاثة عقود عليها، وما اجترحته الذاكرة كان بسبب أنني كنت أتصفح بعض الصور القديمة ووجدت صورة لي مع صديق منهم كنت وقتها قد قمت بواجب الاستضافة وأخذته في جولة سياحية، وهنا توالت الذكريات واستحضرت الذاكرة أنني شاركت في الدورة الثانية التي كانت في منطقة صحراوية وتقترب من منطقة حدودية متنازع عليها وغير بعيدة عن معسكر للبوليساريو أقامته الجزائر لهم بالقرب من بلدة تندوف. كان مقر إقامتنا في قرية صغيرة جدا مساحتها لا تزيد عن شارع واحد غير معبد، وﻻ يزيد طوله عن مئات الأمتار.

به بعض البيوت المتواضعة على جانبيه وفي آخره مسجد صغير أكثر تواضعا، الأمر اللافت أن المسجد به رجل يقوم بالآذان ويقيم بالمسجد وﻻ أرى أحدا غيره فى تلك القرية. فسكانها مُهجَّرون بسبب الحرب بين البوليساريو والمغرب. يبدو نحيلا بشكل مرضي،  أصفر الوجه وكأنه خارج لتوه من مرض عضال أو كما قال أحدنا. وكأني به خارج من القبر!.

كنا نقيم في عدد محدود من البيوت ونستخدم أحدها للمحاضرات النظرية وآخر للطعام والذي كان متواضعا شيء من الخبز ومرق وأرز، وكنا نلتقي فى بعض الليالي للسمر وغناء اأناشيد وأغاني والمألوف الأندلسي ليلا. كانت الأسِرَّة حديدية وكنا أربعة في كل غرفة وكل بيت به أربع غرف وحمام واحد وفناء صغير يتوسط الغرف، نلتقي به فجرا للصلاة ونحن نهم بالذهاب للحمام والوضوء.

كان معي فى الغرفة شاب ﻻ أذكر إﻻ اسمه الأول (نجمي) ومشهور بيننا باسم "عويلة البلاد". كان شخصية لطيفة فكاهية مرحة شجاعة طالما أضفى جوا من البهجة على الجميع. كان طويل القامة، شعر رأسه كثيف مهمل وبنية جسمه قوية ودائم اﻻبتسامة والمرح.، وأذكر أنه كان هناك من يأتي لنا ليوقظنا لصلاة الفجر، وانزعج "نجمي" من الإلحاح وقال هل أتيتم بنا هنا للتدريب أم للحج؟.

أذكر في يوم من أيام التدريب كان يفترض أن نذهب فى مسيرة اختراق ضاحية إلى واحة صغيرة جدا ﻻ تزيد عن عشرين نخلة وعين صغيرة شحيحة الماء تبعد عن مكان إقامتنا تقريبا عشرين كيلومترا، انطلقنا وكان مسموح لنا جريا أو هرولة ومن يتعب له أن يكمل مشيا... كان معنا من يظن أن الأمر هين، فأخذ في الجري والمكابرة على التعب وكان الجو حارا.. المهم وبعد معاناة كبيرة وصلنا للمكان المحدد  فوجدت صاحبنا الذى ظن أن الأمر هين في حالة من الإعياء التام والتشنج وتقريبا فاقدا الوعي.. كان هناك سيارة للإسعاف ترافقنا ولكنها  تأخرت مع من لم يصل بعد.. ذهب "توفيق"  يبحث عن الماء وطلبت من أحد المرافقين شيئا من الملح والماء ووضعت قليلا منه على شفتي صاحبنا فبدأ يفيق وأخذت ألومه وأمزح معه، وفجأة يأتى توفيق ومعه إناء من الماء ومن فرحته رمى ما حواه الإناء من الماء على وجهي بكل قوة مازحا ضاحكا..

ويالها من مأساة. فقد كنت أرتدي عدسات ﻻصقة فطارت في الرمال ولم أعد أتبين المشهد بوضوح وكنت فى حالة من الغضب واإحباط أن نظارتي لم تكن معي.. قضينا بعض الوقت للراحة ورجعنا إلى مكان إقامتنا مع حلول الظلام تقريبا. وفي اليوم الثاني كان موعد اختبار الرماية.. طبعا لم يعد ممكنا لي أن أجيد التصويب إﻻ على الجبل بكامله وليس على لوحة التنشين!

كان "الحاج أحمد" عليه رحمة الله يرشحني لأكون من الفدائيين، ولكن خاب رجاءه عندما عرف ما حدث وشاهد درجاتي في الرماية. ولكني أذكر بعد أيام قليلة  تكيفت مع وضعية النظر التي آلت إليها حالتي.

في يوم الرماية وبعد انتهاء التدريب وبعد خيبة أمل "الحاج أحمد" وفي نفس المكان وبالقرب من الجبل التقطت بعض الحجارة التي تبدو نارية ولها تشكيل جميل،  كنت أتأملها وأسال نفسي سؤالا وجوديا.. ما الذي أتى بك يا بني إلى هذا القفر وهذا البراح الممتد وكانت الإجابات تتهاطل على عقلي لتبعث شيئا من الطمأنينة في قلبي.. احتفظت بتلك القطع من الصخور  سنوات بعد ذلك ولكني فقدتها خلال تنقلاتي العديدة بعد ذلك.. كما أفقدني الزمن الكثير من ذكريات تلك الأيام.

اليوم لا زلت أذكر في إحدى الليالي التي أقمناها هناك، أن "سالم" كان يضرب "البندير" وكنت أشاركه وهو يقود الفرقة ونحن نتغنى بنوبة مالوف كنت أحفظها…"طابت أوقاتي"!!