Atwasat

خوف الطغاة

عمر أبو القاسم الككلي الأحد 26 أغسطس 2018, 10:12 صباحا
عمر أبو القاسم الككلي

يعتبر الخوف ظاهرة شعورية طبيعية، لا إرادية، لدى الكائنات الحية والإنسان. وينبثق شعور الخوف، تلقائيا، إذا أحس الكائن، عن حقيقة أو توهم، بخطر يتهدده.

والخوف، لدى الحيوان والإنسان، محفز (في الأحوال التي لا يصل فيها درجة تشل الذهن والإرادة والحركة) لنجاة الكائن بحياته، إما عن سبيل اللواذ بالفرار، وإما عن الطريق اللجوء إلى مواجهة مصدر الخطر إذا كان هذا ممكنا، وهنا يمكن القول أن الخوف يمثل الوجه الآخر للأمن*. فهما «يُكونان معاً قطبي الحياة الإنسانية؛ فإذا كان الخوف قطبها السالب، فإن الأمن قطبها الموجب»*.

وهناك من يعزو تشكل مظاهر ثقافية وحضارية كثيرة إلى عامل الخوف والسعي إلى توفير الأمان*. فـ "القانون والدين والأخلاق والطب ما هي إلا وسائط ما وجدت إلا لأجل أن يشعر الإنسان بالأمن والطمأنينة"* في مواجهة المرض والعدوان ومن أجل الحفاظ على الحقوق.

والخوف يمكن أن يجعل الكائن الخائف، بالذات الإنسان، عدائيا في الحالات التي لا يجد فيها وسيلة لتجنب الخطر. فيقال أن الكلب، مثلا، حين ينبح إنما يعبر عن إحساسه بالخوف واستعداده للمواجهة، بالذات عندما يتواجد مصدر الخطر هذا في إقليمه حيث يبدو أشرس ما يكون، ومعروفة شراسة الكلبة التي ترى أن ثمة خطرا يتهدد جراءها.

عامل الخوف هذا يقف أيضا وراء طغيان الحكام الطغاة الذين يلجأون إلى قمع مخاليفهم بالتهديد والتشريد والسجن والقتل. فتحت هذا القناع البشع لاستخدام القوة والعنف يتوارى وجه تُغضنه وتشوه ملامحه مشاعر الخوف.
ولقد خبر الليبيون، طوال اثنين وأربعين عاما تحت حكم معمر القذافي، المدى الذي يمكن أن تصل إليه ردة الفعل لدى الطاغية بسبب خوفه المقيم والمتعاظم من أن يؤدي نشاط معارضيه إلى انتزاع كرسي السلطة والحكم من تحته.

فقام هذا الطاغية، ليس فقط بالسجن والتشريد والقتل غير المبرر لمن تُشْتمُّ عنهم شبهة معارضة في الداخل، بل وأعلن جهارا عن عزمه على مطاردة المعارضين الليبيين أينما وجدو، ولو في القطب "وهو أبعد مكان يمكن أن يصلوا إليه" كما قال. وأعتقد أنها المرة الأولى، على الأقل في التاريخ المعاصر، التي يحدث أن يعلن فيها حاكم دولة عزمه ومسؤوليته كحاكم على مطاردة "أعدائه" في الخارج وتصفيتهم جسديا، واختطافهم.

وفي هذا الصدد يقول** كلوفيس مقصود في مقال كتبه في 28 فبراير 2011، أي مع بداية تعسكر الانتفاضة في ليبيا:

«... برهنت الأسابيع الأخيرة منذ 17 فبراير [2011]، أن استساغة الإذلال ومن ثمّ القتل، هي انعكاس لتوقع الذات ما دفع القذافي إلى الخروج من أيِّ ضوابط مبدئية أو أخلاقية، ما يدفع الطاغية في مثل حالة كهذه، إلى أفكار رهيبة، كونه يعالج مخاوفه من خلال تخويف متصل للآخر، وبالتالي جعل كل وسيلة متاحة أداة للسيطرة، وممارسة الترهيب والإذلال على مواطنيه».

ونختم المقال بفقرة من قصيدة محمود درويش «على هذه الأرض»:

«على هذه الأرض ما يستحق الحياةْ: نهايةُ أيلولَ، سيّدةٌ تترُكُ

الأربعين بكامل مشمشها، ساعة الشمس في السجن، غيمٌ يُقلّدُ

سِرباً من الكائنات، هتافاتُ شعب لمن يصعدون إلى حتفهم

باسمين، وخوفُ الطغاة من الأغنياتْ».*

* عبد العزيز الناصري، الخوف ودوره في بناء الشخصية (https://www.annabaa.org/~annabaao/nba61/khauf.htm)

** أورده شكري السنكي في: منصور رشيد الكيخيا: سيرته ومواقفه وقصة اغتياله، دار الرواد، مجموعة الوسط الإعلامية: الوسط، 2018 ص 385.