Atwasat

حبيل وليس منيحة

محمد عقيلة العمامي الخميس 23 أغسطس 2018, 12:30 مساء
محمد عقيلة العمامي

سنة 1925 تعرضت جامعة (فيسك) -Fisk University - وهي جامعة للزنوج بأمريكا لمحنة شديدة بسبب نفاد أموالها وتصدع مبانيها، وعجزت عن دفع مرتبات أساتذتها والعاملين فيها، وفوق ذلك كله فقدت في العام نفسه مُديرها. كان الدكتور توماس اليسا جونس (Thomas Elsa Jones) قد أوفدته بلاده رفقة زوجته كمبشرين إلى اليابان، وهناك عمل كأستاذ بجامعة (كيو). عرض مجلس الجامعة المنصب عليه فقبله لقناعته بأنه مدين لهذه الجامعة باعتبار أنه نال درجته العلمية منها، وظل رئيسها من (1926-1946). 

بدأ الدكتور(جونس) كفاحا هائلا لإنقاذ الجامعة وعمل بالسبل كافة للحصول على دعم من الجهات كلها. وذات يوم تفتقت في ذهنه فكرة ذكية، نفذها على الفور.  انطلق إلى نيويورك، حيث مكتب (جون د. روكفلر الصغير) المشهود له بعطاء المنح لمختلف المؤسسات التي تستحق هذه الهبات؛ ولعل دعمه مكتبة الأمم المتحدة بجنيف، وكذلك هبته لقطعة الأرض التي شيد فوقها مبنى الأمم المتحدة يعتبران من هباته العظيمة. أحسن روكفلر استقبال الدكتور (جونس)، وكان متوقعا أنه يسعى إلى دعم لجامعته، ومثل هذه الأعمال كان يضعها دائما في أولوياته، ولكنه باغته مبرزا له أنه جاء ليشكره على دعمه ومنحه لجامعة (فيسك).

كانت دهشة روكفلر كبيرة، وأجابه أنه لم يقدم شيئا، لا الآن، ولا في السابق لهذه الجامعة، فأجابه مؤكدا له أنه سبق وأن فعل. فلقد  كان يقيم في البيت الدولي للطلبة الذي كان قد قدمه هبة للمدينة، وأنه لم يكن حينها يعرف الكثيرين من الزنوج، وذات يوم استخدم أحدهم منشفه بالخطأ، وانتبه لذلك بعد خروجه من الحمام وعافت نفسه أن يستعملها، ولكن الوقت كان قد داهمه، باقتراب موعد المحاضرة فاستعملها على مضض. 

واستطرد الدكتور جونس: "كانت تواجهني مشكلة حقيقية في اللغة الألمانية، ولم يكن بمقدوري أن أستعين بمدرس خاص لها، وكان الشاب الزنجي الذي استخدم منشفي هو الأبرز في الفصل في اللغة الألمانية. لقد ابتلعت كبريائي وطلبت مساعدته، وبالفعل أفنى أياما معي إلى أن تغلبت على مشكلتي واجتزت الامتحان ونلت درجتي العلمية..".

ثم بين له أنه جاء ليشكره على تلك المنحة التي كانت سببا في لقائه بهذا الطالب. وأن السبب الثاني لمجيئه هو دعوته والسيدة زوجته لإلقاء كلمة الافتتاح لحفل امتنان وترحيب الجامعة بالرموز الخيرية المعطاءة. تردد روكفلر مؤكدا له أنه ليس من أولئك القادرين على إلقاء كلمات في مثل هذه المناسبة، ولكن وعده أنه سيحاول ويُخطره قبل موعد تلك المناسبة. وبالفعل قدم وألقى كلمته مبرزا الفكرة التي وضعها الدكتور جونس في رأسه، ونالت استحسان الحاضرين، واختتمها بمنحة للجامعة لتنهال بعدها الهبات من الحاضرين.

لقد تذكرت هذه الحكاية، وأنا اراقب صديقي الدكتور مصطفى الفاخري يسعي بالجهد كله للحصول على دعم وهبات لجامعة بنغازي التي يعلم الله، وحده، بحالها. ويعلم أيضا بخيرين لا يعرفهم أحد يمنحون باليمنى من دون أن تراها اليسرى، ويعلم أيضا أولئك الذين قيلت في شأنهم أغنية علم مشهورة مازالت متداولة منذ أكثر من سبعين عاما تقول: (منيحة غلاي شطور.. كزوز في خريف.. وتالي تاومت) وأغنية (العَلمْ) هذه تقال في اليأس من الحبيب، وهي صورة بليغة للبخل الشديد، فالمقصود بالمنيحة، وهي من المنح يعني الهبة وهي التي يعطيها صاحب القطيع للراعي. كانت هبة  صاحب هذه (الغناوة ) شاة تدر حليبها من ثدي واحد (شطور) وفتحة الثدي شبه مسدودة (كزوز) وبالإضافة إلى هاتين المشكلتين أنجبت توأم في وقت الخريف حيث يقل ويندر العشب والمرعى!  فالهبة، إذن، ميتة لا محالة!

فلنبتهل أن نعين سي عبد السلام ولو بحبيل، وألا تكون منح القادرين (شطور).. فشعوب الدنيا كلها لا ينسون تاريخ الخيّرين ولا يتجاوزون عن بخل القادرين، وما زال الناس يتندرون ببخل الحطيئة، وحميد الأرقط، وأبو الأسود الدؤلي، وخالد بن صفوان على الرغم من كونهم رحلوا عن دنيانا منذ ستة أو سبعة قرون. فلنعلن عن مناسبة لشكر من أسهم من البداية في تأسيس جامعة بنغازي، وندعو لها الخيرين.. والبخلاء أيضا فالله يضع أحيانا سره في أضعف خلقه. ونحن أبناء هذه الجامعة لا نملك إلاّ الابتهال الصادق والتوفيق لمن كلفوا بإعادة الحياة إلى جامعة بنغازي أقدم الجامعات الليبية.