Atwasat

سمير أمين واستشراق الاستغراب

نورالدين خليفة النمر الأحد 19 أغسطس 2018, 10:59 صباحا
نورالدين خليفة النمر

انشعبت تطلعاتي المبكرة في التثقيف إلى توجهاتي الأدبية والفكرية، المتوازيان الملتقيان في نقطة والمفترقان في النقطة الثانية. وتم لي هذا الأمر مسافراً بلا متاع وبدون بوصلة توجيه، وبالصدفة وحدها في بيئة عائلية ترزح تحت ثقل الأمُية المبهظ في ليبيا ما بعد الاستعمار. فقدري أن أكون المتعلّم الأوّل، المثقف فيها بالمعطيات المدرسية المقترّة والسديدة لدولة الاستقلال.

وتكون الصدفة اكتشافي بمحض الفضول في الصفّ المدرسي الإعدادي، عبر عرض في جريدة ليبية كانت "البلاغ" لمحاضرة في قاعة مجلس النواب سابقاً في طرابلس عام 1970 للمفكر الجزائري ـ الإسلامي مالك بن نبي. الذي انهمكت أقرأ كتبه الفكرية الواحد، تلو الآخر،ما أهلّني بعدها وبالتوازي النهل من الكتب الفكرية للفيلسوف جان بول سارتر في سلسلته "مواقف" وكتاباته الأدبية الإبداعية.

وهو الذي أقحم الأنطولوجي في الموقفي فألهم من أتى بعده اختيار حرية سيزيف وتمرّده في كتابات البير كامي، والتنظير للعنف التحرري في كتابات فرانتز فانون، والبحث عن بعدٍ آخر في إنسان الرأسمالية الأحادي البُعد الذي عبرّت عنه مؤلفات هربرت ماركوزة ، والثورة في الثورة ذاتها المسار الكتابي الثوري التشي ـ غيفاري لريجيس دوبريه. بينما ظلّ التثقيف عربياً، وإسلامياً يراوح في سلسلة مشكلات الحضارة لمالك بن نبي، الذي ربما يبقى القارئ مراوحاً معاوداً قراءته مكتشفاً في كل قراءة منزعاً فكرياً يواجه به ملمّات ما أسماه بن نبي في مهبّ المعركة إزاء عالم الأفكار في ثالوث الإنسان والتراب والوقت مكرّسهم شروطاً للنهضة. وهو الأمر الذي لم يتكرّر معي بصدفة المرّة الثانية إلا مع سمير أمين مفكر الاقتصاد ـ سياسي وإدوارد سعيد مقارن عوالم الثقافية.

سعيد بإثارة المقارنة في الأدب، كتب في الاستشراق فاستغربه مفككاً خطاب مركزيته الغربية في الإمبريالية والثقافة. وأمين كتب بتفسير الاقتصاد السياسي داحضاً الاستغراب الرأسمالي في تثبيته الشرق في نمط فكري تعميمي عنونه بدايةً ماركس عبر الاستشراقيات الغرضية في نمط اقتصاد آسيوي، وماكس فيبر بتعميمية الاستبداد الشرقي والاثنان، أمين وسعيد، كانا يتشبثان بالسؤال الهاملتي أن نكون أو لانكون في المركز أو في أطرافه في الإمبريالية أم في الثقافة.

أوفدتُ عام 1992 بعد تعطيل ،أملته عواثير الفوضى الليبية، إلى ألمانيا للاختصاص في "الابستمولوجيا" بمعنييها الأساسي الفرنسي البشلاري، ومقابله العرضي المبتدئ في الترجمات العربية الأنجلوسكسوني البوبري. فواجهتني عواثير البيروقراطية الأكادمية الألمانية، وألجأتني معادلاتها إلى استكمال الفلسفة بعلوم السياسة التي كنتُ هارباً منها طوال مسيرتي الفكرية الليبية إلى الثقافة. فكان زادي من مستشرقي الاجتماعيات الخلدونية ومستغربيها مُعيني في إنجاز جزء لابأس به من متطلبات استكمال الفلسفة بعلوم السياسة واقتصادها السياسي الذي كان سمير أمين اسماً فرنسياً لامعاً في أوساطها الأكاديمية بنظرياته المترجمة كتباً في اللغة الألمانية، كالتطور اللامتكافئ "المركز والأطراف" ونقود الرأسمالية بتأهيل نمط اقتصاد "الخراج" لتداول منهجيات العلم "الطبقة والأمة في التاريخ وفي المرحلة الإمبريالية" و "التراكم علي الصعيد العالمي نقد نظرية التخلّف" في جامعة طرفية بشمال ألمانيا ـ أولدنبورغ مسماة بكارل آوجتسكي الكاتب اليساري رفيق برشت الذي اغتاله النازيون بنيت بحت تخرّجي عام 1997 تحت إشراف الأستاذ ش .رافاساني الذي استوطن ألمانيا بعد سقوط حكومة مُصدق في إيران عام 1956 ومناقش ألماني هو المنظر لحزب الخضر الجغرافي الألماني المرموق غ .يانسن في إطار مساجلة إقحام الثقافية في دراسة نمط الاقتصاد الخراجي، وكان كتاب سمير أمين "نحو نظرية للثقافة: نقد التمركز الأوروبي والتمركز الأوروبي المعكوس" الأساس في مساجلتي مُثبتا أن رؤية سمير أمين تقوم على أطروحة مفادها: أن جميع أشكال المجتمعات السابقة على الرأسمالية ـ من ضمنها الإقطاع الاوروبي ـ لا تعدو كونها أشكالا لنمط إنتاج وحيد هو نمط الإنتاج الخراجي. وفي هذا الصدد لايمكن الكلام عن قطيعة تفصل العصر القديم عن العصر الوسيط، إذ الفرضية الأوروبية لم تزامن تغيرا أساسيا في الشرق المتحضر، الذي تقابله أوروبا التي انتقلت من البدائيات إلى الإقطاع، حيث يعكس الفصل نظرة تعسفية أوروبية التمركز. فالقطيعة المفترضة في التحقيب الأوروبي لا تناسب تحولا جذريا في طابع نمط الإنتاج بل هي تخص مجال الفكر والتكوين الآيديولوجي. فطبيعة النمط الخراجي أنه يتسم بشفافية الاستغلال، الأمر الذي أضفى طابعا مقدسا على الآيديولوجيا وقد فرض الانتقال التدريجي إلى المجتمع الخراجي ربط هذه العناصر وإلغاء التناقض بينها وإدماجها في بنية ميتافيزيقية إجمالية متماسكة ثم استمر هذا النمط إلى عصرنا الحديث حيث فرضت العلاقات الاجتماعية الرأسمالية الجديدة انقلابا في المستوى المهيمن وحل الاقتصاد محل الآيديولوجيا الميتافيزيقية.

في إطار منظومات الفكر واقتصاد السياسة والممارسة الحزبية المؤطرة في النظرية الماركسية غير المركزية السوفياتية عايش سمير أمين المحطات المفصلية والحاسمة في تاريخ العالم العربي: كان لا يزال طالباً في باريس يوم شهد انتكاسة العرب ونكبتهم في فلسطين عام 1948، ثم عاش هزيمة 1967 وتداعياتها الخطيرة على مصير العالم العربي، برمّته، وبداية انهيار مشروع العرب السياسي والوحدوي وقبره بدايات نهاية عشريات القرن العشرين في صعود أحادية القطب في النظام العالمي الجديد. ثم قدّر له أن يشهد تفجيرات 11 سبتمبر وانعكاساتها، التي دفع العرب ضريبتها الباهظة. مثَّل سقوط بغداد أمام الغزو الأميركي إحدى نتائجها المباشرة، وإحدى علامات موت المستقبل العربي في ما بعد أحداث نيويورك. وهاهو يموت اليوم بموت إزهار الصبّار في مسمى ثورات الربيع العربي.

نحن الذين نكتب لنفهم ، ونحاول تفسير المستجدات التاريخية والسياسية في عالم عربي يتفكك. لاندري أيموت أم كالعنقاء من رماده يُبعث سيظل سمير أمين المفكر والإنسان رفيقنا الراحل بكل تمزّقاته واختيارته وتطوراته الجوهرية، وستظل كتبه الغزيرة العميقة والممتعة التي نقتنيها لنتعلم منها ونكتب في المعرفة في المقدمة برّف الكتب الذي نحمله معنا أينما كنا في المنفى أو الملكوت.