Atwasat

بعض من سيرة القصيدة

سالم العوكلي الأحد 19 أغسطس 2018, 10:53 صباحا
سالم العوكلي

بدأت علاقتي بالشعر، وكأغلب الشعراء والغاوين، مع تلك القصائد التي كنا ندرسها في مادة النصوص، والتي كان حفظها الإجباري يهبني من العنت والمقت أكثر مما يهبني من المتعة. ريما يرجع ذلك لسوء اختيار النصوص المقررة، أو لسوء طريقة تدريسها. كنت أتساءل: لماذا الكلام مرصوف بهذا الشكل الذي يشبه طوابير التلاميذ الصباحية؟ لماذا هندسة القصيدة؟ لماذا المسطرة؟. إني أكره الهندسة والزوايا الحادة والمنفرجة حتى في الحدائق، التي تبدو فيها الأشجار المزروعة في طوابير متناسقة كجند في ساحة.. أحب عفوية الأشجار التي تختار أمكنتها في الغابة، وأحب تلك المفاجآت في الدروب المتعرجة.

كنت أتابع برنامج الأدب الشعبي في الراديو وكان وجداني يمتلئ بذلك الإيقاع الغنائي، وتلك الجزالة العامية والقدرة على اكتشاف جماليات الخلاء، وصراع الإنسان الأعزل مع الأمكنة الوعرة، وتلك الرقة اللامتناهية التي تعتري الشاعر البدوي الجلف حين يقع في الحب. ورغم أن الشعر الشعبي متراصف مثل قصائد مادة النصوص، إلا أنه يبدو أن تعاملي السمعي معه لم يجعلني أرى هذا التراصف، حيث كان رقص الكلام أمامي ساحرا ومثيراً، وعندما قرأت الشعر العربي القديم، اكتشفت ذلك التشابه الكبير بينه وبين الشعر الشعبي، في الجزالة، في العلاقة بالمكان، في الأوزان، وفي الأغراض أيضا، رغم الاختلاف في اللغة. شدني شاعران مازلت احتفظ بديوانيهما منذ تلك الفترة؛ المعري وأبونواس. وأعود الآن لتفحص سبب هذا الانشداد، وأفكر أن الخطاب لديهما كان مختلفاً عن الشعراء الآخرين. الإخلاص للتجربة التأملية في الوجود والعدم والغربة، ونهب القصيدة من التحديق في العتمة عند المعري.

النقلة الأخرى كانت مع تعرفي المبكر على كتب الشاعر نزار قباني، الذي لم يخرج عن قالب وإيقاع القصيدة الكلاسيكية، لكنه خرج بجرأة عن قاموسها، وزحزح مفهوم المحاكاة السائد قبله، واستطاع بموهبته ترويض مفردات الحياة الحديثة للحدث الشعري، كما استطاع أن يؤجج مراهقة القصيدة بشكل يجعلها في كل زاوية من الشوارع وتحت وسائد المراهقات، تتربص بالجمال الدارج، وبالعطر، وبإيقاع الكعوب النحيلة على الرخام.

حاصرني نزار داخل شبكته السحرية، وكان يشبع نهم مراهقتي الشعرية، ويمنحني كل شيء جاهزاً.. وكانت قصائده تختصر لي مسافات الخجل بيني وبين تلك العشيقة القروية.. حاولت أن أقلد شعره واستعير مغامراته الفارهة، وأن أكتب عن السرير الوثير في زمن لم أكن أعرف فيه السرير إطلاقاً، وأن أزرع في قصائدي المبكرة حديقة من زهور الأوركيدا والجاردينيا والزنبق والقيقب، تلك الزهور التي لم أرها أو أشم عطرها.. مع أني أعيش في قرية اسمها القيقب.

وجدت نفسي أسير هذه الشبكة الحريرية، ولم تعجبني مسحة التجهم في شعر السياب ولا البياتي ولا أدونيس ولا حجازي؛ فرسان ساحة الحداثة الشعرية في ذلك الوقت، رغم أن السياب كان يذكرني بالمعري، وكأنه فينيق نهض من رماد عتمته، إلا أن سحر المعري اكتفى بالمعري.

بداية الثمانينيات سمعت صدفة قصائد مسجلة على شريط كاسيت لمحمد الشلطامي، كانت بصوت الشاعر أحمد بللو الذي لم أكن أعرفه في ذلك الوقت، سجله في شقة الصديق سالم الزني ببنغازي التي كان يختبئ فيها قبل القبض عليه في أحداث جامعة بنغازي أبريل 1976 والحكم عليه بالمؤبد ليطلق سراحه بعد 12 عاماً.

بسماعي تلك القصائد الليبية بصوت حزين امتلأت بخدر غريب يشبه ذاك الخدر الذي كانت تصيبني به مهاجاة أمي للرحى: (شعير في خشوم المزن.. منام الرحى جايبلها) وكنت طيلة أماسي الخريف ألاحق المزن باحثاً عن سنابل الشعير في نواصيه. يا للروعة!! مجاز مرسل ينفي كل العلاقات السببية، لو قيل في عصر الجاحظ أو قدامة أو ابن طباطبا لاستنكروه لأنه يمثل غلوا يفسد الشعر.

قترة تفتحنا على الحياة والشعر كان المد القومي في ذروته وكانت المكتبة الليبية تفتقر إلى الكتب الليبية بل إن مصطلح "الأدب الليبي" كان مصطلحا رجعيا ومؤثما، ربما لهذا السبب لم أتعرف على الشلطامي سوى عبر كاسيت وبطريق الصدفة لأن كتبه الشعرية كانت ممنوعة.

كان الشجن والإيقاع ما أثارني في قصائد الشلطامي، وكان اكتشافي لشاعر ليبي يقارع رموز الشعر العربي أول تمارين عودة الثقة بنفسي. يقولون أن الشلطامي كان متأثرا بالبياتي، الذي حقيقة لم أمل إلى شعره حتى هذه اللحظة، لكن في قصيدة الشلطامي كنت أسمع رنين القصيدة الشعبية الساكنة وجداني، فكان بالنسبة لي شاعرا شعبيا كبيرا يكتب بالفصحى. أي بمعنى يكتب الشعر المرسل، وهو في ذروة إصغائه لذلك الصوت البدوي الطان في داخله كمزمار في خلاء أو كزنين جندب في قيظ الظهيرة. وعندما سمعت فيما بعد قصائده العامية ما عدت استغرب الأمر.

ومن جديد بدأت بدأب على التخلص من سحر نزار مع ولعي بقصيدة الشلطامي ومن ثم محمود درويش، الغنائي الكبير القادر على اللعب بسهولة في بطن ثور.. أقصد بطن تفعيلة الشعر العربي الذي ما برح ينفخ فيها من قريحته المتفجرة. ورغم عدم ميلي لحفظ الشعر عموماً إلا أني حفظت قصائد لنزار ودرويش والشلطامي، والتي نسيتها فيما بعد.

على الشاعر أن ينسى ما يقرأه.. يبدو أنها حكمة القصيدة التي تؤسس لملامحها وهويتها الخاصة.

عشت في ظل هذه الخلطة من محاليل الشعر المختلفة، أتمرن على النسيان وخفق الذاكرة بشدة، حتى وقع بين يدي ديوان أحمر مجلد للشاعر محمد الماغوط، وقرأته دون توقف: يا الله.. لا وزن، لا قافية، لا إيقاعا محددا، ولا استعراضا معجميا ، لكنه يسحرني، إنه ليس نثراً مثل الذي نقرأه في المقالة أو الرسائل أو القصة، وأدرك في قرارة نفسي أن ما أقرأه شعرٌ، ميزة الماغوط أنه لم يعطني خيالا جاهزاً ولا قاموساً ولا مغامرات أحاكيها، لكنه منحني وهو يدير ظهره لي مفاتيح الشعرية وأسرار القصيدة.. قال لي: أنظر حولك فإن الشعر منتشر في كل التفاصيل.. فقط أطل المكوث عند كل ما يمر عليه الآخرون دون اكتراث.. لا تجعل الألفة مع الأشياء تحرمك من متعة التأمل فيها.. دع قصيدتك تنهال كحلم يقظة أو كاعتراف في صومعة.. أو بالأحرى ككثيب رمل كل يوم يغير شكله دون أن يفقد هويته، سيف رمل يحث خطاه ببطء مثابر دون أقدام ودون غاية.