Atwasat

التعويل على "الإخوان المسلمين" في ليبيا، من جديد

عمر أبو القاسم الككلي الأحد 19 أغسطس 2018, 10:47 صباحا
عمر أبو القاسم الككلي

اصطبغ وضع الإخوان المسلمين في ليبيا، بعد ظهورهم للعلن إثر فبراير 2011، بصبغة مفارقة. فهم، على خلاف توقعاتهم وتوقعات الكثير من الليبيين (وأنا منهم)، لم يفوزوا في أول انتخابات ديمقراطية في التاريخ الليبي، وهي تلك التي وقعت سنة 2012، ومع ذلك فهم الذين تسلموا السلطة وأمسكوا بمفاصل الدولة!

وحالتهم هذه تتعاكس مع حالة زملائهم في تونس، حيث أحرزوا انتصارًا في الانتخابات (وإن لم يكن كاسحًا)، ولكنهم ارتأوا، في ظروف معينة، أنه من الأفضل لهم مغادرة السلطة.

وموقف الليبيين من الإخوان المسلمين، والإسلام السياسي عموما، لافت للنظر ويحتاج إلى دراسات متخصصة من وجهة نظر علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي. ذلك أن غالبية الليبيين ليس لهم اعتراض على الحكم وفق الشريعة الإسلامية، لكنهم، في الوقت نفسه، ضد الأحزاب السياسية التي ترفع راية الإسلام. إنهم مع التدين ويحترمون المتدينين ويوقرون شيوخ الدين، لكنهم ضد استخدام الدين استخدامًا سياسيًا من قبل حزب معين.

ورغم موقف الليبيين هذا من الإخوان المسلمين كحزب سياسي يسعى إلى السلطة باسم الإسلام، يبدو أن ثمة محاولة لـ «تأهيل» الإخوان المسلمين في ليبيا وتجهيزهم لتسلم السلطة، أو على الأقل المشاركة فيها، في الانتخابات القادمة المتوقعة.

ينطلق هذا المسعى من فرضية أن الإخوان المسلمين فصيل إسلامي سياسي معتدل يقبل بالديمقراطية وتداول السلطة سلميًا. والحقيقة أن هذه الفرضية خاطئة تمامًا. فعلى الصعيد السياسي لا يوجد فصيل إسلامي معتدل وآخر متطرف. الكل متطرفون. إلا أن الفارق يكمن في أن بعض الفصائل السياسية الإسلامية تؤدي تطرفها جهرًا وتستعجل تنفيذه عند أول سانحة، وبعضها الآخر (الإخوان تحديدًا) يؤدي تطرفه سرًا ويؤخر تنفيذه إلى حين تسلمه السلطة وتمكنه من مفاصل الدولة تمكنًا كاملاً.

مسعى «تأهيل» الإخوان المسلمين في ليبيا، الذي أشرنا إليه أعلاه، تتولاه فرنسا، التي تريد المحافظة على مصالحها في ليبيا من خلال عقد صفقة سياسية تضمن فيها مشاركة ممثلي التيارات الإسلامية المعتدلة في حكم ليبيا (*) مقابل تمكينها من السيطرة على «الجماعات المسلحة ذات الخلفية الإسلامية، التي تشارك في عمليات تهريب الأسلحة والهجرة غير الشرعية في شمال أفريقيا، وكذلك عدم مهاجمة القوات الفرنسية بليبيا والدول الأفريقية» وفي سياق هذا التوجه عقد اجتماعان شاركت فيهما فرنسا. الأول اجتماع داكار مطلع مايو 2018بالسنغال «بالتنسيق مع تركيا وقطر، وضم عددًا من قياديي تيار الإسلام السياسي، منهم الداعية [...] علي محمد الصلابي، والقائد السابق للجماعة الليبية المقاتلة عبدالحكيم بالحاج (وهو مطلوب أمنيًا في عدة دول، وقيادات إخوانية ليبية، أبرزها صالح المخزوم، وذلك في محاولة لإعادة تنظيم "الإخوان"، إلى المشهد الليبي، بعد الرفض الشعبي الكامل للتيارات الإسلامية في ليبيا».

أما الاجتماع الثاني فالتأم هو أيضًا في مطلع مايو 2018 بالرباط بالمغرب «وشارك فيه رئيس مجلس الدولة الليبي، خالد المشري، ورئيس البرلمان عقيلة صالح، وهما حليفان لتنظيم ‘‘الإخوان‘‘ بليبيا، وذلك بإشراف ومتابعة من المبعوث الأممي إلى ليبيا، غسان سلامة». بيد أنه لم تتمخض عن الاجتماع نتائج واضحة «مما يؤكد أن هدفه كان تحسين صورة تنظيم ‘‘الإخوان‘‘ في ليبيا، [و] تأكيد أنها جزء مهم من العملية السياسية».

* منى سليمان، التحركات الفرنسية تجاه الملف الليبي، السياسة الدولية، يوليو 2018. وجميع السطور المحصورة بين علامتي التنصيص "...." منقولة عن نفس المقال.