Atwasat

القاعدة الدستورية وأزمة الانتخابات: الإشكالية والحل الممكن

أحمد معيوف الخميس 16 أغسطس 2018, 01:14 مساء
أحمد معيوف

مخرجات باريس جدا واضحة وصريحة، انتخابات رئاسية وبرلمانية قبل نهاية هذا العام الذي تتأكل أيامه الباقية بسرعة، على أن يسبق الانتخابات توحيد مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها الحكومة والجيش والمصرف، وأن يتفق الليببيون على قاعدة دستورية للانتخابات. انفض لقاء باريس بتعهد أركان الصراع على مخرجاته وبشهادة عشرين دولة، لكن ما إن انفض الاجتماع حتى برزت العراقيل واحدة تلو الأخرى، وأهم هذه العراقيل الانقسام حول مشروع الدستور بين الخصمين الرئيسيين، وتمرير قانون الاستفتاء على هذا المشروع.

انطلقت أعمال الاجتماع الأول للهيئة التأسيسية المكلفة بصياغة الدستور يوم الاثنين الموافق 21 أبريل لعام 2014، ولوحظ خلال الاجتماع خلو 13 مقعداً من مقاعد الهيئة الستين بعد أن حالت الاضطرابات في بعض المناطق دون إكمال الانتخابات فيها لاختيار أعضاء للهيئة التأسيسية في فبراير، وكان من المفترض أن ينعقد الاجتماع يوم الاثنين الموافق 14 أبريل 2014، لكنه تأخر نتيجة توقف الرحلات الداخلية في مطار الأبرق الدولي المجاور لمدينة البيضاء مقر الهيئة، بسبب العصيان المدني الذي شهدته ليبيا. كما قاطع الأمازيغ انتخابات هيئة الدستور ولم ينظموا إليها. وفي 9 ابريل 2016 وبعد 86 اجتماعا، أقرت الهيئة مسودة مشروع الدستور وشرعت في تقديمه إلى مجلس النواب لاستصدار قانون الاستفتاء عليه حسب مواد الإعلان الدستوري المؤقت.

تعرضت الهيئة إلى الكثير من الصعوبات والمضايقات خلال فترة عملها، وواكب عملها منذ تأسيسها الكثير من الانقسامات وتعرضت لضائقة مالية جعلتها تقلص عدد العاملين بها، كما عمل بعض أعضاء الهيئة على رفع دعوى قضائية ضد زميلهم رئيس الهيئة المنتخب السيد علي الترهوني بسبب ازدواج جنسيته، وأصدرت محكمة استئناف البيضاء في 15 فبراير 2016، قراراً يقضي بإيقافه عن العمل، وبإلغاء عملية انتخابه وإعفائه من مهامه بعد مرور ما يقرب من العامين على ممارستها(!!!...).

مخاض عسير
لم يكن التصويت على مسودة الدستور بالأمر السهل، بل مر بمخاض عسير، قاطعه عشرة أعضاء من الهيئة، وتعرض أعضاؤها إلى الحصار أثناء توقيعه في مقر الهيئة بالبيضاء من قبل بعض المتظاهرين، وقد أُتهم المتظاهرون بولائهم لحفتر، ويعود اعتراضهم على اعتماد الدستور كما يفهمها متهميهم بسبب أحد مواده التي تمنع مزدوجي الجنسية من خوض الانتخابات ما لم يتخلوا عن جنسيتهم الأجنبية قبل الانتخابات بسنة، والتي رأوا فيها كيدا من الأخوان لحرمان المشير حفتر من الترشح. كما سبق ذلك طلب من رئيس وزراء الحكومة المؤقته عن طريق مبعوث خاص يطلب فيه من الهيئة عدم التصويت على المسودة، الأمر الذي رُفض من أعضاء الهيئة.

تم اعتماد مشروع الدستور في جلسة حضرها 44 عضوا ومقاطعة عشرة أعضاء، وصوت 43 عضوا لصالح المشروع وامتنع عضو واحد. إلا أن عدداً من أعضاء الهيئة تقدّموا بطعن بشأن عدم مشروعية جلسة تصويتها أمام محكمة البيضاء وقد رفض الطعن. بعد ذلك، تقدم عدد من الشخصيات العامة من مدينة بنغازي، بطعن آخر في نوفمبر الماضي أمام محكمة القضاء الإداري، التي قضت بعدم اختصاصها بنظره على سند أن أعضاء الهيئة التأسيسية منتخبون من الشعب بشكل مباشر، وقراراتهم تخرج عن ولاية القضاء.
رحب المجلس الأعلى للدولة في اجتماع عقد بالخصوص، وبحضور أربعة وتسعين عضوا من أعضائه، في ديسمبر 2017 بإنجاز هيئة الصياغة، وطالبوا البرلمان بالموافقة عليه وعلى استصدار قانون تنظيم الاستفتاء على مشروع الدستور الليبي، وذلك بما لا يتعارض مع أحكام القضاء، وفق المادة ثلاثة وعشرين من اتفاق الصخيرات السياسي.

مشروع الدستور
مع بداية هذا الشهر دخل موضوع مشروع الدستور إلى ردهات مجلس النواب، وتم عرض صيغة قانون الاستفتاء على النواب، ولم يخلُ القانون من الجدل المعتاد من النواب حول مواده المختلفة، انتهت برفع الجلسة إلى نهاية الأسبوع الثاني من الشهر الجاري. وطبعا كان لبعض المتظاهرين دور مبيت في عدم تمرير القانون بحجة أنه من صنع وصياغة الأخوان كما صرحوا بذلك في وقفتهم الاحتجاجة أما البرلمان، وقد حاولوا منع النواب من دخول قاعة الجلسات، إلا أنهم لم يفلحوا.

مشروع الدستور الآن بين خصمين، أحدهما مؤيد لهذا الدستور ويتهم بأنه وراء صياغته، وفريق آخر يرفضه لاعتقاده بأن الإسلاميين قد فصلوا ثوبه على مقاسهم. وللفريقيين ثقل قادر على تأزيم الوضع، لكن لم يتقدم أي منهما بمخرج يمكن أن يستأنس به في العبور بالدولة إلى بر الأمان. ضف على ذلك صعوبات أخرى تكمن في من سيتولى الإشراف على عملية الاستفتاء والانتخابات المزمع عقدها، فكل فريق من الفرقاء يتمسك بوهم الشرعية. في الشرق لازال البرلمان والجيش يتعاملان مع الحكومة المؤقته برئاسة السيد عبد الله الثني باعتبارها حكومة شرعية، وقد يسعيان جهدهما إلى عرقلة أي جهود تستبعد حكومة الثني من الإشراف على عملية الاستفتاء والانتخابات المزمعة. وفي الغرب تنال حكومة السراج المدعومة من مجلس الدولة وقوات البنيان المرصوص ومجلس الأمن الشريعة، وهي مفوضة في حالة تمرير قانون الاستفتاء على عملية الإشراف عليه، وستعمل القوة المؤيدة لها في الدفاع عن شرعيتها المكتسبة من اتفاق الصخيرات وضمان حقها في الإشراف على الاستفتاء والانتخابات.

الإشكالية الكبرى في الحقيقة لا تكمن في الانتخابات البرلمانية، فيكاد يتفق الجميع على ضرورة إنتاج جسم شرعي جديد يحل محل الأجسام الحالية التي انتهت شرعيتها جميعا. لكن يظل المشكل الكبير في الانتخابات الرئاسية، فمشروع الدستور إذا تم تمريره بشكله الحالي سيقصي طيفا من الليبين، تماما كما حدث عند تمرير قانون العزل السياسي. وسيدخل البلد في معترك حاملي الجنسيات الأجنبية التي يستثنيها الدستور في مادته رقم (99). وإذا أمكن قبول هذه المادة بالنسبة لأعضاء البرلمان، فإنه من الصعب تمريرها على قيادة الجيش والكتل النيبابية الموالية له، والتي ترى في حفتر مرشحا لها، وتعتقد أن هذه المادة تستهدفه شخصيا. كما لا يمكن قبول تعديل هذه المادة من كتلة الإسلاميين والتي صرح رئيسها في مجلس الدولة بأنه سيصوت بنعم رغم أنه لم يقرأ المسودة، مما يفسر اطمئنانه إلى أنها فعلا تستهدف خصمه قائد الجيش المشير خليفة حفتر.

نحن فعلا في ورطة لا يستطيع مشروع الدستور الحالي والبرلمان بانقساماته والتنافس الدولي على الملف الليبي حله، وفي تقديري قد يكون الحل يسيرا إلا أنه من نوع السهل الممتنع. كما أشرت، ستظل مشكلة منصب الرئيس مفصلية، فالذهاب إلى انتخابات رئاسية دون دستور حاكم ومفصل لصلاحيات ومسؤوليات هذا المنصب قد تترجم إلى خوف من عودة الاستبداد، وهو خوف مبرر. والذهاب إلى الانتخابات الرئاسية تحت سقف هذا الدستور لن ترضي شريحة كبيرة من الليبين وبعض الدول الإقليمية لأنها تستهذف مرشحهم.

يظل الحل الأمثل... السهل الممتنع.... في إحياء دستور 63، فدستور 63 لم يُلغَ وإنما فقط جمد، وبالتالي لن تكون هناك إشكاليات كبيرة في إحيائه، وهذا الدستور يرضي جل الليبين ولن يختلفوا عليه إلا في ما يُظن أن الزمن قد تجاوزه، وهو أمر يسهل التعامل معه. لكن أهم ما في إحياء دستور المملكة أنه يحل مشكلة الرئيس، فالأمير الوريث الشرعي لعرش المملكة موجود وله طموح أن يلعب دورا في إعادة الدولة، وهو شخصية مرغوبة ومفضلة عند الشرق الليبي، ولن يعترض الغرب الليببي عليه كما فعل سلفهم مع مؤسس المملكة السيد إدريس السنوسي. أي أنه شخصية مقبولة، لا جدال حولها، ووجوده وتحمله لمسؤلية المرحلة يعفي من الخوض في مسألة الخلاف حول المنصب الرئاسي ويلغي الحاجة إليها.

لقد تخبط الليبيون في تأسيس الدولة وفشل المؤتمر في القيام بالمهام المناطة به كما فشل البرلمان من بعده في السنوات السبع الماضية، ونتج عن تخبطهما استمرر الأزمة وانسداد آفاق الحل، لذلك أعتقد أن العودة إلى دستور 63 وتنصيب الأمير محمد الرضا ملكا لمرحلة تستقر فيها الدولة حل مثالي، يمكن أن يُبنى عليه في تحقيق طموحات الليبيين واخيتار نظام الحكم الذي يحقق آمالهم وأمانيهم في المستقبل القريب، إما عن طريق اعتماد النظام الملكي واستمرار السيد محمد الرضا على رأسه، أو تكليفه بالإشراف على اعتماد حكومة ثم الاستفتاء على نظام الحكم الذي يرغبه الشعب وتتويجه بإعداد دستور يعتمد رغبة المواطنين في النظام الذي يرتضونه.