Atwasat

بلاد في عنق الزجاجة!

أحمد الفيتوري الثلاثاء 14 أغسطس 2018, 02:16 مساء
أحمد الفيتوري

آه، الدول الصغرى. في إطار هذه الحميمية الدافئة، كلنا يحسد الآخر، كلنا يراقب الآخر.

ميلان كونديرا – الطفل المنبوذ- ترجمة رانية خلاف – الهيئة العامة لقصور الثقافة – القاهرة- الطبعة الأولى 1998م.

1-
تأخرت في كتابة مقالي الأسبوعي الذي عادة يكون في المسألة الليبية، وجدت نفسي في حال الجالس على البحر ينظر للأفق محتارا، ولأن الجلسة رومانسية والحيرة تشتت الألباب فخلت نفسي كما بطل فلم مصري الذي عادة رومانسي، فيه البطل يمسك بوردة يسل ورقة قائلا: تحبني ثم يسل الثانية قائلا لا تحبني حتى ينتهي من ورق الوردة وهو في حيرة. كنت في ذات الحال تارة أرى طرفا يصرخ في وجهي الانتخابات الطريقة، تارة يصرخ آخر الانتخابات ليست ممكنة.

في حيرتي هذه سألت هل المسألة الليبية معقدة إلى هذه الدرجة؟، تأملت حياتي كجيل عايش تجارب منذ نهاية الحرب الكبرى الثانية وحتى الحروب الصغيرة التي لم تنقطع، حروبا أهلية وحروبا دولية، وفترات سلم مذهلة فيها استرخاء الناعس عن ما يحيطه، من هذا التأمل وجدت أن تعقيد المسألة الليبية كامن في بساطتها، فالبنية الليبية غير معقدة على كافة المستويات الجيو سياسية والاجتماعية والاقتصادية، فالبلاد المترامية الأطراف القليلة السكان تحظى بمزايا تسهل أمورها حتى تربكها هذه السهولة.

وما أدخلها في المعضلة السياسية هو الثروة الزائدة عن الحاجة، من حيث المساحة ومن حيث الموقع ومن حيث المواد الأولية كالنفط، ومن حيث الضعف البنيوي كقلة السكان وطمع الجيران في الأركان الأربعة وهلم.

هذه الرؤية لم تبدد الحيرة لأن الليبيين في حيرة من أمرهم مما يدعو هذا لإعادة التساؤل ماذا يريد الليبيون؟، والإجابة على الطاولة يريدون ما يريده كل البشر: الأمن من جوع ومن خوف. وأن عدم توفر هذا الأمن مدعاة احتدام الصراع فيما بينهم ومع الآخرين، خاصة مع نشأة الدولة الليبية الحديثة التي حازت استقلالها قبل محيطها، ما أثقل الدولة الناشئة قبل ظهور الثروة النفطية وبعدها.

2-

كان لي صديقان يتناحران وواحد منهما دائما ما يصف الثاني أنه شخص بسيط يدعي التعقيد كمستعرض لأهميته، تذكرت ذلكم أثناء حيرتي مع المسألة الليبية، ولم تشفع لي دعابة الصديق هذه عدم إدراكي لمفهوم تعقد البسيط، فالبسيط في الحالة البشرية له ميكانيزم معقد أيضا لأن البشر بداهة كائن مركب وليس مجرد آلة ميكانيكية، ولأن الدول من جسم البشر لهذا فإن الروائي التشيكي كونديرا ذائع الصيت أفصح ذات مرة: آه من الدول الصغرى...!.
الغريب أن البشر كثيرا ما يعطون الظهر للمسائل الصغرى في حين أنها مركز الحياة وأنها مسائل الفلسفة الأولية، فمثلا في المسألة الليبية ما يبدو على الطاولة كما مسائل كبرى، تجمع دبيب الأرض كما أكلة سائغة، الانتخابات الليبية حاليا.
الانتخابات الليبية التي تبدو مسألة دولية تتطاحن حولها دول كبرى وتفغر فاه الإقليم، والمفترض أنها من تفاصيل المسألة الليبية لكن الإجماع يحولها إلى المسألة الأساس. ولا تجد تأويلا معقولا لهذه الحالة التي تتعصى على الذهن اليقظ فما بالك على الأغبياء ممن يسوسون الحال الليبي.

3-

ليبيا بلاد حائرة نعم لكن من لهم اليد الطولى في المسألة الليبية ليسوا في حيرة من أمرها، بل هم كما يبدو وأداتهم في ذلكم الساحر غسان سلامة يعملون في هذا الظرف الدولي بأن يكون الحل اللا حل!.  

أما الحيرة الليبية فمردها غياب الاستطاعة على الحلّ الحاسم، لأن الطرفين المتصارعين - ومن بينهما- غير قادر أي طرف منهما على السيطرة فالبلاد مستعصية على كل طرف على حدة، أما الوفاق أي خلط الأوراق واستخراج ورقة رابحة فهذا مهمة أضلاع المثلث جمعا المحلي والإقليمي والدولي مما لم يتوفر بعد.

هل الليبيون يمكنهم إقامة دولة ديمقراطية ما عجز عنه جيرانهم مع الاستثناء التونسي حتى اللحظة الاستثنائية هذه؟، يكاد الليبيون يجمعون بأن ذلك غير ممكن من خلال عجزهم عن أن يكونوا كما النموذج التونسي، لأسباب موضوعية تتداولها النخبة ويرددها البقية.
إذا هل يمكن حسم الأمر عسكريا؟ الواقع يجيب بالنفي القاطع في التاريخ وفي الحال. وعليه هل بالإمكان حلّ ثالث ناتج عدم القدرة البينة التي تجعل البلاد في عنق الزجاجة؟.

حتى الآن لا إجابة على هكذا سؤال بل هو السؤال المستبعد عن الطاولة، والإجابة كما بطل الفلم المصري: انتخابات، لا انتخابات. بل أن السؤل المستبعد الذي هو حجر الأساس يفرخ أسئلة مثل هل يقبل الطرفان المتصارعان النتائج للانتخابات أو لـ "لا انتخابات"؟.
أيا كان فلابد مما ليس منه بد، وهو أن الحلّ الذي يدركه الجميع ويستبعده أي استخلاص الحل من تجربتي الجارين معا، ما بدأت المسألة الليبية الحالية بعد انفجار الربيع العربي فيهما.

لكن المشكل أن طرفي المثلث الإقليمي والدولي حتى اللحظة عندهم الحل اللا حل، عليه فالسؤال حجر الأساس هو ما تغص به عنق الزجاجة.

وأنه أخيرا يقول المثل الليبي: الدولة أرض والعرب طيور.
أي وأما الزبد فيذهب جفاء.