Atwasat

بوصلة الوطن الغائبة (2-2)

أحمد معيوف الثلاثاء 14 أغسطس 2018, 11:55 صباحا
أحمد معيوف

الآن، نحن نتوفر على رؤيتين. الرؤية الفرنسية التي ترى أن حل الأزمة الليبية يمر عبر صناديق الاقتراع التي يجب أن تتم قبل نهاية العام الحالي حتى وإن لم يتوفر دستور حاكم، ويتفق مع هذا الطرح مصر والإمارات والسعودية وربما روسيا. والرؤية الأخرى هي الرؤية الإيطالية التي ترى أن الانتخابات دون دستور حاكم سيقوض نتائجها، ويشارك إيطاليا في هذا الرأي الولايات المتحدة وبريطانيا.

والسؤال الذي يجب أن يسأله الليبون هو: أي من هاتين النظرتين تخدم القضية الليبية؟ وهل تسعى هذه الدول فعلا إلى حل الأزمة الليبية وترسيخ الوحدة الوطنية والخروج من الأزمة أم أن لها غرضا آخر من ورائه؟ والسؤال الأخير: لماذا ينحاز فريق لأحد الطرفين وينحاز الفريق الآخر للطرف الآخر؟.

لا شك أن هناك نوايا لكل دولة تتعارض مع نوايا الدولة الأخرى، وهذا أحد أسباب تعطل حل الأزمة الليبية، لكن في تقديري لا تتعارض هذه النوايا مع نية تحقيق حل لهذه الأزمة لكن بشكل يتماهي مع غرض هذه الدول. وحتى نستطيع الاستئناس بأحد الرؤيتين علينا ألا نكتفي بفرنسا وإيطاليا، وإنما بالدول التي تساند تصور هاتين الدولتين للحل، وما هو القاسم المشترك بينهم، وكذلك انعكاس هذين التصورين على المؤيدين المحليين لأحد هذين التصورين.

يشترك حلفاء حفتر المحليون والدوليون في العداء للتيار السياسي الإسلامي بكل أطيافه، وفي مقدمتهم تيار الأخوان المسلمين، لهذا وجد حفتر دعما غير محدود من مصر والإمارات والسعودية، ولا شك أن علاقة حفتر بمصر تجاوزت حدود التحالف، وحقيقة التحالف القوي بين نظام السيسي وحفتر لا يتوقف عند الملف الأمني كما تحاول الحكومة المصرية تسويقه، وإنما في الملف السياسي، فوجود جماعة الأخوان في السلطة أو قريب منها لا يقبله النظام المصري القائم، وقد شاهدنا خلافا مصريا - فرنسيا رغم التحالف الذي بينهما حين تم إشراك خالد مشري في اجتمعات باريس.

بيان باريس لم يشر إلى الدستور، وإنما ورد في مادته الأولى "الإقرار بأهمية وضع أسس دستورية للانتخابات"، هذه العبارة فضفاضة، وتحتم إجرآت وتفسيرات متباينة، وقد تترجم بأشكال متباينة من الخصوم، وقد يبنى عليها الكثير من الخلافات، فمثلا قد يسعى البعض لدعم الانتخابات دون أن يكون هناك دستور حاكم ولن يجد معارضة من الشارع الذي يستعجل عملية خروج الأجسام المسؤولة عن أزمة المواطن. وأول من سيسعى إلى دعم هذا الأمر هو قيادة الجيش التي تخشى أن يستبعد الدستور قياداتها بشروطه التي تحدد صفة المرشح، وسيدعمه أيضا نخب برلمانية ككتلة السيادة الوطنية والتكتل الفيدرالي، الذين سيؤيدون كل إجراء يعمل على إقصاء الأخوان.

بالمقابل، موقف إيطاليا من الأزمة استثمرت فيه وقوفها إلى جانب الاتفاق السياسي الموقع بالصخيرات المغربية، وعملت في مارس 2016 على حشد الدعم الدولي للاعتراف برئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني الليبية، فايز السراج، كممثل شرعي للشعب الليبي، وقامت بتأمين نقله من تونس إلى طرابلس على ظهر سفينة حربية تابعة للقوات البحرية الإيطالية من أجل استلام وممارسة سلطاته. لا شك أن هذا الأمر منح إيطاليا العديد من الامتيازات التي عززت مكاسبها الاقتصادية، وربما ساعد أيضا في تفعيل بعض الاتفاقات التي تعطلت بسبب الثورة على نظام القذافي، كاتفاقية الصداقة الموقعة في العام 2008، وتضمنت استثمارات إيطالية تعويضًا عن الحقبة الاستعمارية، كما يتضمن اتفاقا على تعاون بين طرابلس وروما في مجال مكافحة الهجرة غير الشرعية، ولعل أهمية هذا الملف.... إلى جانب وجود الثقل الاقتصادي لإيطاليا في الغرب الليبي... هي ما يدفع إيطاليا لتبني موقفها الداعم للغرب الليبي. لاشك أن مساعدة حكومة السراج ودعمه وتفعيل بعض الاتفاقيات، إلى جانب وجود المكاسب الاقتصادية في الغرب الليبي عزز العلاقة بين إيطاليا والغرب الليبي، ومال تحت غطاء الدعم الدولي لاتفاق الصخيرات لأن يأخد شكلا هو أشبه للتحالف مع الغرب اللييبي من مجرد دعم للحكومة المعترف بها دوليا.

أمريكا وبريطانا أيضًا تدعمان الاتفاق السياسي وتقفان وراء حكومة السراج، لكن موقفهما غير المعلن لا يختلف عن موقف فرنسا، فكما تدعم فرنسا قوات الجنرال حفتر خارقة بذلك القانون الأممي الذي يمنع الدعم العسكري وتسليح الفرقاء الليبين، قدمت أمريكا دعما غير محدود لقوات البنيان المرصوص في حربها ضد داعش في سرت، وكلا الدولتين تقفان إلى جانب حكومة السراج، ولا تضعان فيتو على مشاركة عريضة في إدارة شؤون الدولة تضم الأخوان والتيارات التي توصف بالمعتدلة.

موقف إيطاليا من الانتخابات، مدعوم بريطانيا وأمريكيا، لابد وأن يجد التأييد الكامل من مجلس الدولة وبالتحديد من تيار الإسلام السياسي الذي يصر على وجود دستور ينظم صلاحية الحاكم وقانون انتخابي يبين صفة المرشح، حتى يضمنو بذلك استبعاد خصمهم اللدود الجنرال حفتر.

لقد هيمن هذا الاستقطاب الحاد على الأزمة الليبية، وسبب تجذرها، وللأسف سيعمل كل فريق على تسويق تخوفه مشفوعا بمبررات قابلة للتصديق، فتحالف حفتر لن يعدم الوسيلة في إظهار الإسلاميين كقوة ظلامية يخشى منها على مستقبل الدولة وعرقلة تقدمها. في حين لن يعدم الفريق الخصم من تصوير حفتر على أنه إعادة لدكتاتورية العسكر، أو إرجاع لأزلام النظام السابق. ويعمل التياران على تعبئة الشارع الليبي كل من أجل مشروعه الذي يدور حول السلطة والاستلاء عليها. وللأسف استطاع التياران تحقيق بعض النجاحات في استقطاب فئات من المواطنين، فخرجت مظاهرات قادها حراك "لا للتمديد" الذي كان غائبا طوال أربع سنوات، ولم يحرك ساكنا عندما مدد البرلمان لنفسه، كما خرجت مظاهرات نددت بالتدخل الإيطالي. وقد رأينا أيضا في السابق تحركات في عدد من المدن الليبية ضد البرلمان بسبب نقل جلساته إلى طبرق عوضا عن بنغازي مقر البرلمان الرسمي، ومظاهرات ضد حفتر ودعم لعملية فجر ليبيا التي أحرق فيها أهم منافذ البلد.

لقد فقد الوطن بوصلته بسبب الصراع على السلطة، وما مظاهر الإدانات التي نراها إلا استثمار لتاريخ عفى عليه الزمن من أجل كسب تأييد شعبي في صراع الوصول إلى كراسي الحكم.