Atwasat

12 – منصور رشيد الكيخيا شيخ الاختفاء القسري: و تحول الرصد إلى التصفيات

محمد المهدي الفرجاني الإثنين 13 أغسطس 2018, 11:03 صباحا
محمد المهدي الفرجاني

كلفت الأجهزة الأمنية، بكل اختصاصاتها، بإعطاء المعارضة الليبية الأهمية القصوى، وفضلت متابعتها عن عمل تلك الأجهزة الأصلي، وبالتالي اندمجت كل الأجهزة في الرصد ومتابعة نشاطها. ولعل أبرز التعاون هو ذلك الذي كان بين جهازي الأمن الخارجي والداخلي في زمن السيدين: العميد عبد الرحمن الشائبي ـ الأمن الخارجي- والعميد محمد الغزالي- الأمن الداخلي-. وكان الجهازان بقيادة الرجلين يمتلكان معلومات متكاملة عن نشاط المعارضة في الخارج، غير أنها لم تُرضِ معمر القذافي الذي يريد مطاردة المعارضة في الخارج وتصفيتها واغتيال العناصر البارزة فيها أو اختطافهم والرجوع بهم إلى ليبيا.

حدثت بالفعل محاولات اختطاف؛ نجح منها اختطاف عمر المحيشي من المغرب، ودفع فيها القذافي 100 مليون دولار وباخرتي نفط والتوقف عن مهاجمة الملك الحسن الثاني، وكان عراب العملية إبراهيم البشاري، بالتعاون مع المخابرات الفرنسية.

وأيضا اختطاف عزات يوسف المقريف، وجاب الله حامد مطر من مصر ووصولهم إلى ليبيا. وكذلك محاولة اختطاف اللواء عبد المنعم الطاهر الهوني، الذي لو لم يستبدل الطائرة التي كان يفترض أن يسافر على متنها من مطار القاهرة إلى أوروبا، برحلة طائرة أخرى لكان قد وقع في فخ ونقل إلى طرابلس بدلا من روما. لقد أمّنه الأمن الإيطالي وقبض على المنفذين جميعا. ومحاولة اغتيال رئيس وزراء ليبيا الأسبق عبد الحميد البكوش في القاهرة، وكانت مسرحية المحاولة أحرجت ليبيا كثيرا على المستويين الداخلي والدولي، وألصقت بها صفة الإرهاب، بسبب تجاهلها لمسألة سيادة الدول الأخرى.

أنا شاهد عيان على بعض ممن تم إقناعهم بالرجوع إلى ليبيا عن طريق العقيد يونس بلقاسم، رئيس جهاز الأمن الخارجي، وقد كلفت بتأمينهم عند رجوعهم إلى ليبيا، منهم: يوسف ابراهيم عقيلة، ومحمد أحمد العبارة، والثالث مختار اعبيده.

رجع السيدان يوسف عقيلة ومحمد العبارة إلى ليبيا وقمت برعايتهما أمنيا واقتصاديا، وسهلت لهما عددا من الاعتمادات المستندية من المصارف الليبية، ومنعت عنهما أية ملاحقة من الأجهزة الأمنية. كنت أحسب أنهما من المعارضة الليبية، ولكن بعد احتكاكي بهما اكتشفت أنهما لم يكونا أبدا من المعارضة، وليس لديهما أية فكرة عن ذلك. كل ما في الأمر أن الأول رجل أعمال وأعماله لا تتفق مع الإجراءات الاقتصادية في ليبيا. وأما الثاني فهو رجل صناعة امتهن صناعة النسيج، وهي متوارثة له وعرفت أسرة العبارة في طرابلس وبنغازي بأنها متخصصة في صناعة الأردية التقليدية الليبية.

ذهبت إلى رئيس الجهاز العقيد يونس بلقاسم، وشرحت له وضع السيدين: يوسف عقيلة ومحمد العبارة، وطلبت منه أن يفتح منافذ ليبيا كلها برية وبحرية وجوية أمام المعارضة للدخول والخروج في أي وقت طالما أن المعارضة يمثلها هذان السيدان اللذان ظلما كثيرا، ولا أظن أن المعارضة تعرف أنهما من عناصرها، وهذا ظلم للطرفين، ولتكن خصومة النظام شريفة مع معارضيه. ويبدو أنني كنت مثاليا أكثر من اللزوم.

طلب السيدان مغادرة ليبيا إلى مقر عملهما في اليونان، وختمت لهما جوازات سفرهما بتأشيرة الخروج، من الجوازات الليبية وغادرا ليبيا بسلامة الله. ولم أكن أعلم أن السيد عبد السلام الزادمة الذي عين مديرا لإدارة العمليات ومكافحة الإرهاب كلف بتصفية المعارضين في الخارج وله كامل الصلاحية من قبل معمر القذافي نفسه في اتخاذ أية إجراءات دون معارضة من أحد في الدولة الليبية مهما كانت درجته، أو صفته. وتم في الوقت نفسه تغيير في قيادة جهاز الأمن الخارجي، إذ عين إبراهيم البشاري بدلا من العقيد يونس بلقاسم الذي عين مستشارا بالسفارة الليبية في دولة ألمانيا.

ثم كلفني إبراهيم البشاري بأن أتصل بيوسف عقيلة في اليونان وأطلب منه الحضور إلى ليبيا لمقابلته، فهو ابن عمه. امتنعت عن ذلك وأعطيته رقم هاتف منزل يوسف في أثينا ليتصل به، وأفهمته أن مهمتي التي كلفني بها العقيد يونس بلقاسم انتهت بسفر السيدين يوسف عقيلة ومحمد العبارة إلى اليونان. إلاّ أنه أصرّ على ذهابي إلى اليونان والرجوع بيوسف إلى طرابلس. وسافرت إلى اليونان ولم أجد يوسف فلقد كان في فنلندا لعمل تجاري مع السعودية، وأفهمني أنه يحتاج إلى أسبوعين ليرجع إلى اليونان. أخبرته برغبة ابن عمه ورجعت إلى ليبيا. ثم حضر يوسف إلى اليونان وقابلته لمدة يوم واحد وطلب مهلة أسبوع آخر وسيأتي بعدها إلى طرابلس على أن أكون في استقباله في المطار.

هنا كانت الخيانة والغدر، كان عبد السلام الزادمة قد أرسل فريقا إلى اليونان لاغتيال يوسف عقيلة، وسبق له أن أرسل من اغتال صالح ابوزيد الشطيطي، الذي لم يكن أبدا من المعارضة الليبية، فهذا الرجل كسب عمولة من شركة سهل لها الحصول على صفقة نفط من شركة البريقة للتسويق الدولي، وبهذه العمولة فضل الإقامة في اليونان من دون أية علاقة لا بالنظام ولا بالمعارضة.

وصلت طرابلس وغادرت في اليوم نفسه إلى بنغازي حيث محل إقامتي. في صباح اليوم التالي، الباكر.. الباكر جدا صحوت على طرق متصل على باب شقتي، كان الطارق صديقي محمد عقيلة العمامي.. أخبرني مباشرة أن يوسف عقيلة تعرض لمحاولة اغتيال، وأنه الآن في المستشفى بين الحياة والموت!

ماذا حدث؟ كنت عنده من يوم واحد فقط. هل دفعني ابراهيم البشاري إلى لقاء يوسف لكي أقوم من دون أن أدري بقيادة القتلة إلى مكانه؟ لكنني لم ألاحظ شيئا مريبا. اتصلت مباشرة برئيس الجهاز في مكتبه بطرابلس، متسائلا عن الخيانة التي حصلت في حقي أولا، وفي حق يوسف عقيلة ثانيا؟ فأخبرني أن منظمة "البركان العراقية" هي التي قامت بمحاولة الاغتيال، كما أخبرني أن يوسف حي، من بعد إصابته بست طلقات، إحداها استقرت في الكبد. أخبرته أن هذه النذالة لا يقوم بها أحد غيرنا، وأنا في طريقي إليه مساء اليوم نفسه، وفعلا وجدته في مكتبه ومعه المدعو ابراهيم بجاد ، الذي كان يشغل وقتها مهمة سكرتير معمر القذافي للمعلومات، وفتحت ملف يوسف مع رئيس الجهاز بحضوره، وحاول إفهامي أن العملية ليست من الجهاز، غير أنني كنت متأكدا أنها منه. أخبرته أنني ذاهب غدا إلى اليونان، إن توفاه الله سأحضره معي وأدفنه في بنغازي، وإن أمد الله في عمره سأقطع علاقتي به نهائيا حتى لا يتأذى أكثر بسببي. أخبرني أن الجهاز حجز لي بالفعل على طائرة الخطوط اليونانية التي ستنطلق بعد الظهر. سلمني خمسة آلاف دولار وطلب مني إخبار يوسف بأن الدولة الليبية متكفلة بعلاجه في أية دولة يختارها، وحتى لا نحيد ونبتعد عن سرد وقائع خاتمة اختطاف منصور رشيد الكيخيا من القاهرة سنؤجل الحديث عما حدث للسيد يوسف عقيلة وتداعيات ما نتج عنه، على الأقل بالنسبة لمستقبلي، إلى حلقة منفصلة تتناول هذا الموضوع.

هكذا كان يعامل نظام القذافي"التائبون" أو يجعلهم عملاء له ينفذون ما يريده من ملاحقة المعارضين، ولعل المدعور يوسف صالح نجم، أبرز مثال على ذلك، فهو من أرسله عبدالله السنوسي إلى القاهرة ليقوم بالدور المخطط له في خطة عملية اختطاف منصور رشيد الكيخيا الذي كان يثق فيه كثيرا، منذ أن كان يوسف نجم عضوا في جبهة الإنقاذ الوطني في مصر، وكثيرا ما استخدمه الدكتور محمد يوسف المقريف في استفزاز اللواء عبد المنعم الهوني بخصوص مقابلاته للقذافي في الجزائر، أو بخصوص ترشيحه ليرأس جبهة التحالف الوطني. يوسف صالح نجم هو الرجل الذي حضر إلى فندق سفير مساء يوم 10 ديسمبر1993 وهو بالفعل آخر رجل رآه بالفندق وذهب بمنصور الكيخيا إلى البيت الآمن المتواجد به ابراهيم البشاري السفير الليبي، والعقيد عبد الله السنوسي ليلة الاختطاف، والعميد محمد سالم نعامه و (م.م.ح) و(ع. هـ). ميزة رجال القذافي أن عملية كهذه يحضرها كل من يكون في الجوار. ثم سلم عبد الله السنوسي إلى المدعو يوسف صالح نجم، الذي كان موجودا أيضا بالبيت الآمن، تذاكر سفر من القاهرة إلى قرطاج ومنها بالبر إلى طرابلس، وأمره بمغادرة البيت الآمن، ليستعد للسفر في اليوم التالي، من بعد أن يقوم بآخر مرحلة في الخطة، مثلما سنوضح في الحلقة المقبلة.