Atwasat

طبيعة المؤامرة

عبد الكافي المغربي الإثنين 13 أغسطس 2018, 11:01 صباحا
عبد الكافي المغربي

يتساءل كثيرون عن الظروف التي واكبت انتفاضات 2011، أو الأسباب التي أدت إلى نجاح الشعوب العربية في إزاحة عدد من العتاة، والسؤال إجابته في عقل السائل مسجلة: ليست ثمة ثورة، ولكن مؤامرة كونية على الأمة العربية العظيمة. وكان من طبيعة السائل لما أن اطمأن لهذه الإجابة أن يزجر غيرها.

نعلم أن قراء الصحف التقدمية كثيرا ما صادفوا المقالات التي تعْرض بالنقد لنظرية المؤامرة ـ فتفندها ـ كاشفة عن سفاهتها وآثارها القاتلة للتقدم. ولسنا بطبيعة الحال نحمل على الصحف أن تبنت خطابا حداثيا يعد المؤامرة من هلوسات العقل العربي التي شق على بلطة النقد الإطاحة برأسها. إن الصحافة الجديدة تحاول من خلال هذا الخطاب الرد على أذرع الأنظمة الرجعية المستردة أنفاسها بعد معركة لم توفق فيها القوى الشعبية العشوائية. كلا ولا نلوم مواطننا الساذج على نصبه شراك خياله لعجزه وإخفاقه اللذيْن يرمزان لِبناتِ أعماله في أغلب المناسبات. الأول يتْبع المستقبل ولا يأبه بالماضي، والأخير شهد الانكفاءات تداهم أوطانه كلما أخذت أهبة النهوض، ويجد ماضيها قد صفا من أية عكارة، قبل أن تجوس المؤامرة خلالها فترْبِك كل ما اطرد وتشعل كل ما خمد في باطن شخصيتها المعقدة.

وإذ نتعرض لهذه الحالة نزعُم أننا سنتخذ وسَطًا بين الرأييْن، مدركين للطابع الإشكالي الذي يكرسه حديث الثورة والمؤامرة للكاتب غير المشتغل بالفلسفة السياسية.

يَمْثُل الاستعمار في ذهنية "يسار الرف"، التيار الذي يضم المثقفين والمناضلين من اليسار الراديكالي، واليسار الوسط الذي لم ينجح في الاستيلاء على السلطة، واستخدمته هذه السلطة للحاجة الآنية، فنخست مصداقيته أو قدمته زلفى لمذبح الجماعات الإسلامية. ذهنية اليسار تُرجِع كل نازلة تنزل بالعرب للاستعمار الأوروبي والطغيان التركي، لقمعهما لتشكل شخصية الأمة على نحو يخلو من العرج، ولإذلالهما لروح العرب التي كانت تتسم بالإصرار الشديد والأنَفة. ويبدو أن المأتم اليساري الذي نُصِب سُرادقُه في أعقاب هزيمة 1967 كان له إسهامُه بإرساء نظرية المؤامرة في عقل عربي مكدود من ثقل الاستبداد وإقامته دُهورا. يفهم يسار الرف حميمية العلاقة بين المستعمر السالف وزبانيته المحْدَثين، ويرى كيف انتُزِع جميع قادة الجهاد من السلطة بُعَيد الاستقلال.

لكن قهر الزبانية وفسادهم، مثل فساد فولجنسيو باتيستا، فاق تصورات صناع السياسة العالمية، وارتفع التذمر الشعبي في العالم العربي بعد زوال حجة الحكام في تقلد السلطة بتسويتهم للخلاف مع الكيان الصهيوني، وأصبحت الدول الديمقراطية التي تدعم الاستبداد في موقف حرج أمام اليسار العربي المستوطن في المنفى والمجتمع المدني هناك. ولما كانت احتمالات انفجار الغضب العربي إذ ذاك غير ضعيفة، سارعت حكومات الغرب إلى تأكيد براءتها أمام شعوبها من تهمة قمع الحلم العربي. لم يعْقِب الندم تعسف الإمبريالية على عمالها المخلصين، ذلك أن الرجل الغربي الذي يُشار إليه بدقة الملاحظة وسرعة التصرف إزاء الإملاءات التي تستوجب مباشرة البت، يعلم يقينا أن الشعوب العربية التي شكَّلها على مهل، لا بد تعيد ما انقلبت عليه بالأمس، وستتخذ من حاضرها صَنَما لا تشرك به مستقبلا، وإذ ذاك لن تدان حكوماته باستغلال شعوب المستعمرات السابقة من خلال عُملائهِم، وسوف يتقادم العهد على الاستعمار، وسيطال التقادم روابط الصلة بينه وبين الطغاة الجدد فتهتَرِئ.

يلقي هذا الفهم الضوء على سياسة دعم الولايات المتحدة للإسلام السياسي في طموحه للاستئثار بالسلطة. إن في انتزاع السلطة من الطاغية الذي ضجر به الناس وتقليدها لأطراف يمينية، وفي إقصاء التيار المدني الذي يملك وسائل الإعلام ويدير سوق النشر ما يهيئ وضْعا يناجز اليمين فيه اليسار، نزاع جانبي يخسر فيه اليمين شعبيته القصيرة الأجل، ويفقد اليسار الثوري فيه زخمه للقوى الرجعية التي تعرف جيدا أنه كَلَّ عن تقديم مزيد من التضحيات.

وهل كانت لعبة الطغاة خلال العقود الحالكة إلا ضرب اليمين باليسار، ثم ملاحقة من يخرج منهما منتصبا. من يريد قتل حركة تقدمية في مهدها بمجتمع معين يسعى أولا إلى إضعاف عزائم الشعب والنخبة الجديدة من خلال تبديد طاقة الثورة في الأفراد. وبالنتيجة، لن يمتثل القوم للنظام البديل كما كانوا يسلمون للنظم السابقة، ولو أن المعقول أن تعتاد الشعوب النظم الجديدة مثلما كانت تعتاد ما تقدمتها. وإذا اختنقت التقدمية ولم تجد لها موئلا، لن يعجز الطاغية عن رتق حكمه وتخدير شعبه عقودا طِوالا. سيساعدنا العالم الحر في التصدي للاستبداد، لكنه سيغذي أبدا من خلال أدواته في المنطقة النزاعات الجانبية التي تجعلنا نسهو عن الصراع الرئيس ضد العنصرية الصهيونية.

يقول هيجل: "التاريخ أكثر الآلهة شراسة". ويعني أن التاريخ عجلة تسير ساحقة كُل ما يعترضها، وأن الإنسانية تدفع لتقدمها ثمنا باهظاً. أفلا يسوء الرجل العربي الذي يفْحِمُنا كل يوم بأنه لا يُخدع، أن التاريخ تقدم وسحق ما سحق في طريقه من حرث ونسل، ثم هو يعترض إرادته الصلبة ويعيد الحياة إلى الماضي البائد؟ والقوى التاريخية آلهة شديدة الانتقام، والويل كل الويل لمن يتجاهلها ويقلب لها ظهر المِجَّن.