Atwasat

(زيفاغو) أو أي دكتور ليبي..

محمد عقيلة العمامي الإثنين 13 أغسطس 2018, 10:58 صباحا
محمد عقيلة العمامي

ارتبط في خيالنا، نحن جيل الستينيات، (الدكتور زيفاغو) بالممثل المصري العالمي عمر الشريف، الذي ما أن مثل رواية الشاعر والروائي الروسي العظيم (بوريس باسترناك) التي حققت له جائزة نوبل للأدب سنة 1958، والتي أبرق على الفور بقبولها، ولكن بسبب وطأة الرفض السوفياتي عاد فرفضها بسبب رفض مجتمعه لها. كل ذلك من قبل ما نعرف دور المخابرات المركزية الأمريكية في التركيز على الرواية لنقدها الصريح والمؤثر للمجتمع السوفياتي الشيوعي.

معظمنا قرأ الرواية بعد أن شاهدها فليما وليس بسبب شهرة كاتبها الروسي الذي كان يعتبر من أبرز شعراء روسيا في ذلك الوقت. وأعترف أنني كنت ممن لم ينتبهوا إلى النقد المكثف للمجتمع السوفيتي خلال فترة حاسمة من تاريخ روسيا - من 1903 إلى 1945- وقد رفض الكرملين الرواية تماما ومنع النشر لبساترناك حتى وفاة ستالين سنة 1953.

أعترف أنني لم أقرأ شيئا لبسترناك، غير هذه الرواية، إلى أن وقعت في يدي مقالة نقدية فسرت أسباب رفضه لجائزة نوبل من بعد قبولها، وهو حجم هجوم النظام على روايته. وباسترناك في الواقع لم يُبدِ ثورة على النظام الشيوعي، أو يرفضه ولكن الكرملين رأى فيه فتورا وقلة حماس لنظامهم، ناهيك أنهم يلومونه لأنه اهتم بالقيم "العتيقة" كالجمال والحقيقة والضمير والروح! منتقدا النظام الجماعي ويقيمه بمعايير توحي بذلك، فهو القائل: "أن جماهير البشر مجتمعين ليس بمقدورهم أن يصنعوا، أو يفعلوا إلاّ شيئا واحدا وهو تشويه صوت الحياة!" وهذا نقد صريح لنظم العقل الجماعي.

لقد عمل (باسترناك) طويلا في روايته ( دكتور زيفاغو) واعترف ذات مرة لصحفى ألماني اسمه (جيرو روج) كان يزو موسكو بأنه: " يشعر أن من واجبه أن يكون شاهدا على عصره.." وهذا ما فعله في روايته، التي هي في خلاصتها ملحمة طبيب روسي، يقرض الشعر، له فلسفته الخاصة في بحثه عن الحقيقة. لقد ابتدأ روايته بفترة شبابه من سنة 1903 إلى وفاته سنة 1929 في عهد ستالين، ولكن خاتمة هذه الرواية، أو الملحمةِ الرومانسية الشاملة، التي تتناول بداية قصة الحب والثورة بمشاهد موسكو الرائعة قبل الحربِ، إذ يرحب، في البداية، الدكتور زيفاجو وأصدقاؤه بسروربسقوط القيصر وتولي البلشفية ولكنهم يرتدون فيما بعد بسبب أعمال العنف وإراقة الدماء. ثم تضع أمامنا مشاهد للثورةِ الاجتماعيةِ العَنيفةِ التي حصلت فشوهت مشاهد موسكو الرائعة. وتتواصل الراوية لتحدثنا عن أحداث في روسيا لمدة 40 سنة. إنها ملحمة تاريخية تأسرنا مثل "قصة مدينتين" لتشارلز ديكنز، أو "الحرب والسلام" لتولستوي.

يقول الناقد: إن باسترناك يكشف أول مرة عبر الأدب السوفيتي عن ثورة الرومانسيين، وخيبة أمالهم بسبب ما حصل من مجاعات في بلد لم يعرف الجوع من قبل، ولا الأوبئة ولا المذابح، ولا الآثام البيضاء والحمراء أيضا، وفساد رجال الدولة الرسميين، وتطلعهم إلى السلطة والتشبت بها.. ومعسكرات الرق.."

ويكاد هدا النقد أن يطال محافظ بنكهم المركزي، والسوق السوداء، والطوابير أمام المخابز والبنكوك. ويصف ذلك الحزن والهم، ومع ذلك فإن الرواية "إيجابية" و "متفائلة" فهي تؤكد غموض الحياة وغرابتها، بل وينهي رأيه بأنه ليس من المصادفة أن اسم زيفاجو مشتق من كلمة (زيفي) الروسية ومعناها "حي".

ولو أن كاتبا ليبيا له موهبة بسترناك لاستفاد من أسماء ثوار ومسئولي ومدراء مصارفنا ووجد لنا منها ما يشجعنا على تذكر واقعية ثورة فبراير الرومانسية، ونحن نهز رؤوسنا في ساحة الحرية ونغني: "سوف نبقي هنا.." ولم يخطر في بالنا أبدا أننا فعلا سنبقي هنا أمام أبواب المصارف والمخابز وسوف يبقون هناك في عواصم العالم المضيئة.."

الجميل أن الناقد يقول: "إن فلسفة باسترناك تضرب صميم الطغيان، وتضع الإنسان فوق الدولة والحياة والمذهب والضمير.. وفوق القانون. إنه يمجد طاقة الحقيقة التي لا تملك سلاحا، والتي لا يمكن مقاومتها..".. وأمام المادية الرسمية يضع الدين. لاحظ أن المادية الرسمية البلشفية ألغت الدين.

ولهذا جعلهم باسترناك خلف الدين وليس قبله. ولكن حالنا نحن أمام المصارف والمخابز والمستشفيات ومحطات الكهرباء.. والنهب والحرابة. والأكثر لوعة أننا ما زلنا منقسمين لا نعلم أيهما أفضل لنا أن نقف خلف نظام الدين، أم في مواجهته، فما نحتاجه في الواقع، هو من يرحمنا من نظام الطوابير، مع أننا مازلنا رومانسيين وإن كان أغلبنا لم يبق هناك، والأدهى أنه لا يعرف بقية أغنية ثورة فبراير الشهيرة: "سوف نبقي هنا... " التي يبدو أنها إيطالية المنشأ!