Atwasat

التموضع.. وفوائض الشعبوية

نورالدين خليفة النمر 6 أيام
نورالدين خليفة النمر

المفارقة الصاعقة تكمن في الثنائية المتناقضة في الشعبوية الليبية، التي يروّج خطاب تأجيجها، لشعور وهمي بالسيادة الوطنية، فتُجاز فرنسا أن تمارس الضغط بكل الوسائل لتنفيذ تعهدات الأطراف الليبية بإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية قبل نهاية العام الجاري والالتزام بمخرجات مؤتمر باريس في 29 مايو2018، وفي الوقت ذاته لا تجيز لإيطاليا تحذيرها من التسرّع بإجراء الانتخابات العامة، دون تأكيد ضمانات المصالحة بين الفرقاء السياسيين في ليبيا المنقسمة على نفسها.

أنا ككاتب أحسب نفسي متابعاً للتأزم الليبي ـ الليبي، متناوله بالمقالات في صحيفة الوسط الليبية منذ مايقارب الأربع سنوات، وأبحت عن المقالات التي يكتبها ليبيون على قلّتهم، وبالذات التي تروّج لخطاب السيادة الشعبوي الذي تتبناه صحف مموّلة من أنظمة عربية تحاول الضلوع كطرف في الانقسام الليبي ـ الليبي، وفي هذا الصدد لفتني لمن ادّعي بأنه الباحث الليبي 08 أغسطس 2018 مقالاً بصحيفة الشرق الأوسط اللندنية سرّب لحساب الكتل السيادية المتوهمة النافذة في البرلمان الليبي العاطل عن العمل في مدينة طبرق في أقصى الشرق، والمضمّن توجهها في موقفه إزاء تصريحات السفير الإيطالي الأخيرة التي وصفت بالمستفزة، والمتدخلّة في الشؤون الليبية، فيما يخص الانتخابات، بل يضمّن مقاله استنكار وأدانة وزارة الخارجية التي ليس لها وزير معلن منذ 2016 بالحكومة الليبية المؤقتة غير المعترف بها، مؤكدة على أن مسألة تنظيم الانتخابات وتحديد مواعيدها شأن داخلي لا يحق لأي جهة خارجية التدخل فيها، وأن ليبيا دولة مستقلة ذات سيادة وعضوٌ في منظمة الأمم المتحدة، وليست بلداً تحت الوصاية، ولن تقبل؛ سواء من إيطاليا أو من غيرها، التدخل في شؤونها الداخلية.

من أول مقال بخريف 2014 إلى آخر مقال الأسبوع الماضي كتبته في شأن التأزم الليبي بصحيفة الوسط التي لايوجد غيرها معبرّاً عنما يمكن تسميته رؤية النخبة المثقفة الليبية أن أبيّن غالبا إلى أن من بدئها كانت ليبيا الحالة الوحيدة المؤهلة ، لأن تُفسح ثورتها، إعادة الغرب لموضعة نفسه نفوذاً في ثورات ماسمّي بالربيع العربي. ويمكننا تحديد العناصر المساعدة المُحققة للنفوذ الخارجي في معاملين يشتغلان في فائضين أساسيين: فائض الأموال، فحسب الـ "financial times" أن النظام سقط وفي حوزة ليبيا أموال مجمّدة تساوي تقريباً 160 مليار دولار بما فيها الأموال غير المعلن عنها.

فائض الأتوقراطية، أو الدكتاتور، الذي محور الأشياء حول أوتوقراطيته مايزيد عن الثلاثة عقود فأمحلت البلاد من كل مظاهر الدولة بما فيهما المؤسستين العسكرية والأمنية

وأن الناتج الداخلي الخام لليبيا يساوي تقريباً 80 مليار دولار معظمه و 90% منه تقريباً من البترول. مراكمة المال يقابله خلّو البلاد من كل مظاهر الانقسام الطبقي . فعدا فئة كمبرادور متهافتة ولاجذور لها تشكلت ببطء في الألفية الثانية فالحرمان والعوز نستطيع القول شمل كل الشعب. ينزاد على مشكلة الأموال المجمّدة والمهربة عبر شبكات دولية،إعادة موضعة ليبيا في خارطة نفوذ جديدة فيما يتعلّق بمستقبلها كدولة نفطية بإبرام عقود طويلة الأمد متقاسمة بين إيطاليا وفرنسا. وهو الأمر الذي بدا واضحاً منذ عام 2014 في الانقسامية الليبية.

فائض الأتوقراطية، أو الدكتاتور، الذي محور الأشياء حول أوتوقراطيته مايزيد عن الثلاثة عقود فأمحلت البلاد من كل مظاهر الدولة بما فيهما المؤسستين العسكرية والأمنية. فأذكر أني كنت في ليبيا عام 2000 بغرض تمديد منحتي الدراسية في ألمانيا فألغيت كل الوزارات (الأمانات)، وكنا مدعوون ككتاب للقاء بالدكتاتور ظُن أنه مناقشة مُقترح لسنّ دستور.. فإذا به يفاجئ الحضور النقابي المجتمع به في كلمته التي استغرقت 20 دقيقة بدعوته لهجرة الليبين لأفريقيا، بمن فيهم الجنود ورجال الأمن، بحجة أن النظام الجماهيري الذي رُسخت دعائمه لم يعد محتاجا لحمايتهم، بعد أن تسلم الشعب السلطة في يديه منذ عام 1977 وفي عام 2004 تطوّع الدكتاتور الليبي الذي وصف أمريكيا في الحقبة الثمانينية بأخطر رجل في العالم لإعادة ليبيا المارقة إلى الحضيرة الدولية بتخليه عن برنامج أسلحة الدمار الشامل، والمساهمة في الحرب الأميركية ضد الإرهاب الإسلامي المسؤول عن هجوم 11 سبتمبر 2011 وفي 2008 توقيع معاهدة الصداقة الليبية الإيطالية رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق برلسكوني صرح لصحيفة كوريرا ديلا سيرا الإيطالية بتاريخ 30/ 8/ 2008 م بعد التوقيع على المعاهدة موضحاً أن الهدف منها هو "مهاجرون أقل عدداً لإيطاليا ونفط أكثر لإيطاليا".

التأكيدات الإيطالية الأخيرة من رئيس الوزراء الإيطالي، ووزير داخليته ترمي كلها إلى انتفاء أية ادعاءات هيمنة على ليبيا أو أهذاف توسعيّة لإيطاليا في ليبيا. وأن ماجرى الاتفاق عليه مع الولايات المتحدة هو ترك الليبيين يحدّدون التواريخ والسُبل لمستقبلهم وأن الحديث عن إيطاليا وليبيا هو حديث عن علاقات إنسانية وثقافية قبل أن تكون علاقات تجارية وعسكرية. هذه التصريحات من جهات سياسية عليا تدحض ما ذهب إليه خطاب الوطنيات والسيادات الوهمية الذي وصف تصرفات السفير الإيطالي وتحركاته بأنها تنم عن العقلية الاستعمارية التي ولّت ولن تعود والتي لا تخرج عن دائرة الحلم بليبيا "La Quarta Sponda " شاطئاً رابعاً لإيطاليا.