Atwasat

11- منصور رشيد الكيخيا شيخ قضايا الاختفاء القسري- (حنين إلى كورنيش بنغازي)

محمد المهدي الفرجاني الجمعة 10 أغسطس 2018, 09:04 صباحا
محمد المهدي الفرجاني

وصل منصور الكيخيا إلى فندق السفير بالقاهرة بجواز سفر جزائري يحمل رقم 819389 وعليه تأشيرة دخول إلى مصر صادرة من السفارة المصرية في باريس، التي لم تمنحه هذه التأشيرة إلاّ بعد أن رجعت إلى القاهرة لأخذ الموافقة. كان السيد محمد فائق أحد الضباط الأحرار في ثورة 23 يوليو، وأيضًا وزير الإعلام المصري في عهد عبد الناصر هو أمين عام المنظمة العربية لحقوق الإنسان، وهومن قام بدعوة الكيخيا لحضور جلسات المنظمة بصفته عضوًا مؤسسًا للمنظمة وليس بصفته مسؤول ملف السجناء السياسيين في ليبيا. كلمة ليبيا في المنظمة ألقاها السيد محمد مخلوف، الذي قدم خصيصًا من لندن لحضور وقائع الجلسات.

السيد محمد فائق خاطب صديقه الدكتور أسامة الباز مستشار الرئيس محمد حسني مبارك للشؤون السياسية وعرّاب اتفاقيات كامب ديفيد مع الرئيس أنور السادات واختاره الرئيس جيمي كارتر، دون بقية المرافقين للرئيس السادات إلى (كامب ديفيد) وكلهم من المخضرمين في السياسة الدولية وعلى رأسهم السيد الدكتور مصطفى خليل، والدكتور الباز كان له وضع خاص لدى الرئيس الأمريكي. وصلت التأشيرة إلى السفارة المصرية وأُبلغ الكيخيا بها واستلمها، وقدم إلى القاهرة، تاركًا مؤتمرًا للمعارضة الليبية في واشنطن، برعاية أمريكية للتباحث في مسألة ليبيا بعد القذافي؟! لقد افترضت المعارضة، ومعهم أصحاب الشأن الأمريكي أن نظام القذافي سينهار بعد الحصار الجوي، الذي فرض على ليبيا؛ لقد اعتبروه خطوة نحو السقوط، وعلى المعارضة أن تستعد لاستلام الأمور وإدارة دفة الدولة، وهذا ما كانوا يتمنونه، ولكن السؤال الأهم:
هل المعارضة الليبية كانت مؤهلة لإدارة الدولة بقدرة وكفاءة ؟ بعد أن تولى الكثيرون منهم دفة البلاد من بعد فبراير 2011 ؟ والإجابة على هذا السؤال هي في الواقع ليست موضوعنا. نعود إلى وصول منصور الكيخيا إلى القاهرة. أوصل إبراهيم عميش ، وعمر جهان الفورتيه، ونجيب على بشير ضيفهم منصور من مطار القاهرة إلى فندق سفير بميدان المساحة بالدقي وكانت هذه هي بداية النهاية للمعارض منصور الكيخيا، بل بداية النهاية لحياته كلها؛ وأصعب بداية النهاية، هي التي يبدأُها المرء من الصفر وفي عمر متقدم. بداية منصور الكيخيا الجديدة تمثلت في خوض تجربة الاعتقال والسجن وحجز الحرية تمامًا وهو في سنٍّ بلغت 62 سنة من عمره لا تسمح بنشاط عضلي إلاّ في أضيق نطاق، وبالإضافة إلى ضعف نظره كان مصاباً بداء السُّكري، الذي يحتاج إلى اهتمام خاص ومتابعة ، وتحاليل طبية متكاملة أسبوعية، وهي بالتأكيد ليست متوفرة في سجون القذافي.

مشكلة السجانين والقائمين على إدارة السجون في ليبيا، هي كما الحال في سجون ومعتقلات العالم الثالث كافة، هي أنهم يعتبرون أنفسهم جزءًا من الصراع بين المسجون السياسي والحاكم! لا يعتبرون أنفسهم موظفي دولة لهم مرتباتهم ومهمتهم هي تنفيذ أحكام صادرة من قضاء، والمساجين في قطرهم مجرمون يستحقون معاملة قاسية، بل ومبالغ في قسوتها قد تصل أحيانًا حد تجاوز إنسانية السجين، كبت الحرية داخل السجن يفوق بكثير العقوبة التي نصّ عليها القانون؛ فالسجّان مثلًا يحق له وضع أي سجين في الحبس الانفرادي لأسابيع ومنعه من الخروج لممارسة رياضة المشي في الساحات المخصصة لذلك، الأكل محدد وكذلك الاستحمام. السجين السياسي في ليبيا محروم من أبسط حقوقه الإنسانية، ويخضع بالكامل لمزاجية السجان، الذي كثيرًا ما يُسخّر السجين في خدمات خاصة جدًا. منصور لا يستطيع أن يتحمل العبء الإضافي من التعب الجسماني والنفسي، إنه يحتاج إلى تمريض خاص وإشراف طبي.

لم يدرِ منصور أنه صيد ثمين لنظام معمر القذافي؛ إنه كنز من المعلومات عن كل الطيف السياسي المعارض وعن ارتباطات المعارضة في الخارج ومعرفة أشخاصها وحواراتها، والبيئة التي خرجت منها وعن تمويلها ووسائل إعلامها والأشخاص القياديين فيها. منصور موسوعة معلومات لا تقدر بثمن عن المعارضة، ونظام القذافي يبقى في غاية الجنون لولم يقم بخطفه والجلوس معه .. و(س وج ) وتصحيح معلومات الأجهزة الأمنية في ليبيا عن المعارضة الليبية. منصور لم يدرك أبدًا أهميته لنظام القذافي، ولم يدرك أيضًا أنه صيد ثمين للغاية! وهذا ما يؤلم فعلًا.

كلف جهاز مباحث أمن الدولة المصرية برئاسة الحبيب العدلي في وزارة الداخلية التي كان يرأسها السيد اللواء حسن الألفي؛ كُلف الجهاز بحماية مؤتمر المنظمة العربية بحقوق الإنسان بفندق السفير، وكذلك حماية أعضائه من المشاركين فيه، وهم من المعارضين للأنظمة السياسية في دولهم، إلاّ أن التعليمات صدرت لجهاز مباحث أمن الدولة أن حماية منصور رشيد الكيخيا، هو من الآن من اختصاص جهاز المخابرات العامة المصرية، التي لم تدرك، أوتنتبه إلى التواجد المكثف لعناصر الأمن الليبي بمقاهي، ومطاعم فندق السفير وهم يرصدون تحركات منصور اليومي. لم يلاحظ لا منصور ولا زواره كثافة الضيوف الليبيين في الفندق. وليس من المعقول ألا يلاحظ أي منهم ذلك وهم المطلوبون للنظام الليبي، وبالذات تواجدهم في فندق السفير، الذي تعقد فيه جلسات المنظمة الحقوقية هذه، التي من الطبيعي أن يكون ملف السجناء السياسيين والمعتقلين الليبيين من ضمن وقائع جلساتها. ويظل السؤال قائمًا: كيف يصل إهمالهم إلى هذه الدرجة العالية ؟ تجربة إبراهيم فتحي أعميش في السجن غنية فلقد قاسى مرارة السجن في بنغازي لأكثر من خمس سنوات إلى أن هرب إلى إيطاليا سنة 1973 عن طريق البحر ثم ألتجأ إلى مصر، وهو من مريدي منصور الكيخيا، وعضو معه في جبهة التحالف، ومن أنجب تلاميذه، الذي صرح له، عند زيارته إلى كورنيش الإسكندرية ، الذي يشبه كثيرًا كورنيش بنغازي : أنه مشتاق لرؤيته، وهو لا يدري أنه سيمر عليه جوًا بعد ستة أيام فقط من تصريحه بأمنيته هذه!