Atwasat

خروف صالح !

صالح الحاراتي الخميس 09 أغسطس 2018, 11:17 مساء
صالح الحاراتي

أذكر وأنا طفل صغير كان لدينا عدد قليل من الأغنام يربيها قريب لنا فى ضواحٍ زراعية تحيط بمدينتى الصغيرة   ...وفى يوم من الأيام أحضروا لنا حملًا صغيرًا، قالوا إنه مريض بمرض يسمونه فيما أذكر ب "الدوشان" ..!! وهو عبارة عن غياب كامل للسيطرة على نفسه  ينام على الأرض للحظات  ثم يفيق وكأن شيئًا لم يكن ..وخافوا عليه أن يموت فأحضروه لنا لكي نذبحه ونستفيد بأكله قبل أن يدركه الموت كما يعتقدون  ... تمسكت أنا بعناد كبير على ألا يتم ذبحه وأن أتولى أنا رعايته  وتربيته ؛وهو ما حدث وتوافق كبار العائلة على الاستجابة لرغبتى.

كنت أتصور أنه سوف يتعافى ويكبر وسيعود سيد القطيع ، وأن ما يقولونه عن مرضه ليس إلا حالة عابرة ..  نشأت علاقة حميمية بينى وبينه وكأنه كان يسمع ويعقل ما تم من نقاش حول مصيره ؛ ولعل دليلي على ذلك إنه ومن أول يوم كنت أتجول به دونما رباط !! كان أصحابى يتندرون بالقول  ، إن الحال يشبه من يتجول مع كلبه .. كنت أقف به على ما أعتقد أنه مقبول لديه  للأكل ، أوراق شجر متساقطة .أعشاب "نجيلة" تحت أشجار الزينة فى شوارع المدينة ،  بلح متساقط  تحت نخيل الشارع وهكذا ... كان أمر انقياده لى ملفتًا لأصدقائي ولكل من يراني   ..واستمر الأمر على ما أذكرستة أشهر وأكثر تقريبًا.

تلك العلاقة الحميمية جعلتنى استهجن ذبح الحيوانات وأكلها ، حتى وإن كانت قصة ذبح خروف عيد الأضحى تقدم لي تبريرًا مقبولًا بحكم النشأة  الدينية .
فى  يوم من الأيام وقبل مغيب الشمس بقليل ..(داهمنا ) ضيوف أقارب أتوا  من مدينة مجاورة لزيارتنا بعد غيبة وانقطاع طويل . .  وكان الترحيب بهم كبيرًا وبدأت المشاورات حول واجب الضيافة وضرورة الاحتفاء بالزوار بشكل لائق تدور بين الوالدة وأخي الأكبر ..  ولأن محلات الجزارة فى مدينتى الصغيرة عددها محدود فى  ذلك الزمان وعادتها أنها تقفل أبوابها قبل المغرب فبدأ الأمر يقترب من صديقي الحميم .. هكذا كان شعوري .

مر وقت قصير وبعد الترحيب بالضيوف، خرج أخى الأكبر مسرعًا للحاق  بالجزار ولكنه وجد المحلات قد أقفلت  أبوابها .. فرجع للبيت وانتحى بي جانبًا  وكان لطيفًا جدًا فى حديثه معي، ازدادت الوساوس فى عقلي وبدأت أتلمس صدق حدسي وتقديري حتى انقشع الشك باليقين ، واستاذن منى  لذبح خروفي العزيز إكرامًا للضيوف...وأذكر هنا أنه استخدم معي كل أساليب "الطبطبة" والإقناع والترغيب والحنو وأنا أبكى بكاءً مكتومًا بمرارة ، وعندما وعدني ببديل آخر، خارت دفاعاتي النفسية الرافضة تحت وطأة الأسلوب الذى يفيض حنانًا واحترامًا بالذي  حدثني به أخي  وشعرت بالحرج الذى سينتابهم إذا حدث  تقصير فى إكرام الضيوف… ذهبت لصديقي الخروف ، احتضنته بكل الحب ثم تركته ودخلت حجرة جانبية ، جلست أرضًا وانهمكت فى البكاء ؛ وبين اللحظة والأخرى يأتي فرد من العائلة يواسينى فى مصابي الجلل .

انتهى أمر صديقي  واستمر حزني على صديقي ولم آكل اللحم بعدها لفترة طويلة .

مضت الحياة بوتيرتها المتسارعة ....اليوم وبالرغم من تحذيرات الأطباء من ارتفاع الكوليسترول صرت  لا أعيرها اهتمامًا .. الآن الخروف الوطني  هو ألذّ المأكولات لدى وخاصة لو كان بطريقة  (البورديم ) الليبية ، وتجاوزت حكايتي مع صديقي كما تجاوزت ذكريات كثيرة  ...!