Atwasat

الجغبوب والحدود الليبية - المصرية (قضية منتهية)

أبو بكر البدري السبت 04 أغسطس 2018, 01:04 مساء
أبو بكر البدري

ليبيا عانت ولا تزال تعاني من قضية حدودها الشرقية والغربية والجنوبية. هنا سأتطرق إلى قضية الحدود الشرقية.

الحدود الليبية-المصرية طولها قرابة 693 ميل. الجزء الشمالي منها متعرج على شكل خطوط وأقواس بطول 190 ميل. الجزء الجنوبي خط عمودي مستقيم (503 ميل) على خط الطول 25.
تركيا أو الدولة العثمانية حكمت ليبيا للمرة الثانية من 1835 إلى 1912 عندما تنازلت عنها في معاهدة أوتشي مع إيطاليا في 18 أكتوبر 1912. مصر أيضا كانت تحت الحكم التركي إلى أن قامت الحرب المصرية-التركية التي انتهت بمعاهدة لندن 1841 والتي صاحبها صدور فرمان من الباب العالي يوم 13 فبراير 1841 بتنصيب محمد علي باشا حاكما لمصر على أن تبقى مصر محكومية أو محمية تركية. ذلك الفرمان كان مصحوبا بأول خريطة توضح الحدود الإدارية لمصر ككيان والتي لم تكن دولة مستقلة بعد.

في 1882 بريطانيا احتلت مصر ثم أعلنتها لاحقاً محمية بريطانية في 18 ديسمبر 1914 إلى أن تم إعلان استقلال مصر في 28 فبراير 1922.

إيطاليا كانت عينها على ليبيا (وتونس حتى سبقها الفرنسيون إليها) منذ بداية القرن التاسع عشر. فالبرلمان الإيطالي ناقش في عدة جلسات مثلا مارس 1903 وكذلك 1910 قلق إيطاليا من اهتمام بريطانيا والمصريين بخليج البمبة لاحتمال احتوائه على مناجم فحم وكيف أن تلك السلطات أصبحت تنشر خرائط لمصر تمتد إلى البردي وراس الملح حتى في كتب المدارس المصرية. كان كل ذلك رغم وجود السلطات التركية (التي لا زالت تحكم ليبيا) إلى شرق منطقة السلوم التي كانت قائم مقامية أو متصرفية تركية (ليبية).

كذلك عند إعلان إيطاليا الحرب على تركيا في ليبيا أعلنت حصارها البحري ليمتد إلى منطقة ميناء مرسى مطروح باعتبارها خارج الحدود المصرية حسب الفرمان التركي بخصوص مصر. ولكن ذلك أثار مشاكل كبيرة مع بريطانيا تمت تصفيتها في عدة اجتماعات ومعاهدات وضيّق الحصار البحري إلى خط طول 25.

في لندن يوم 26 أبريل 1915 وقّعت معاهدة سرية بين إيطاليا وفرنسا وبريطانيا وروسيا والتي تضمّنت في المادة 13 وعدا لإيطاليا في حالة انضمامها لقوات الحلفاء في الحرب العالمية الأولى وبعد النصر أن يكون لها نصيب في المستعمرات في أفريقيا. المعاهدة السرية فُضحت من قبل روسيا بعد ظهور الثورة البلشفية.

الاتفاقية السرية
استجابة للمادة 13 من الاتفاقية السرية تمت مراسلات عديدة بين وزير المستعمرات البريطاني ووزير الخارجية الإيطالي تبلورت في اتفاقية ميلنر-شالويا سبتمبر 1919 والتي بموجبها وضعت الجغبوب ضمن حدود ليبيا الإيطالية وبالمقابل السلوم ضمن الأراضي المصرية. ميلنر لخص الاتفاق في رسالته 9 أبريل 1921 للسنيور ميلتوني والتي تضمنت خارطة توضح الحدود المقترحة. غير أن مصر اعترضت على ذلك واستمر الأمر الراهن إلى أن استقلت مصر في 28 فبراير 1922 حيث بدأت إيطاليا مناقشاتها المباشرة مع الحكومة المصرية في ترسيم الحدود. بعد أن تنازلت إيطاليا عند رغبة مصر في عدم تسليم اللاجئين الليبيين في مصر أمثال السيد إدريس واعتبارهم لاجئين سياسيين في اتفاقية 14 أبريل 1923 عمدت إلى حسم أمر ترسيم الحدود في اتفاقية القاهرة التي عرفت بالاتفاقية الإيطالية-المصرية لتحديد حدود برقة - مصر في يوم 6 ديسمبر 1925.

(L’accordo Italo-Egiziano per la delimitazione dei confini tra la Cirenaica e l’Egitto)
الاتفاقية كما نشرت كانت مصحوبة بأربع خرائط:
1- خارطة شاملة للحدود المتفق عليها بالتفصيل (وهي الحدود القائمة حتى اليوم).
2- وخارطة مكبرة وتفصيلية للجزء العلوي المتعرج من ساحل البحر شمالا إلى خط العرض 29 جنوب الجغبوب.
3- وخارطة تفصيلية لمنطقة السلوم والرملة -بين السلوم والبردية-
4- والخريطة العثمانية التي صاحبت فرمان الباب العالي لتنصيب محمد علي باشا والمؤرخة 13 فبراير 1841 (والتي تعد أول خريطة توضح الحدود الإدارية لمصر)

سارعت الحكومة الإيطالية في التصديق على الاتفاقية ولكن لم يتم تصديقها من قبل الحكومة المصرية إلا في 7 يوليو 1932 ونشرت في الجريدة الرسمية (بالفرنسية) لحكومة مملكة مصر.
اتفاقية 6/ 12/ 1925 تبعتها اتفاقية لبعثة مصرية - إيطالية مشتركة (لجنة ميدانية) في 9 نوفمبر 1926 لتثبيت تفاصيل الحدود على أرض الواقع للجزء الشمالي المتعرج للحدود. هذه البعثة المشتركة نشرت تقريرها النهائي أبريل 1927 والذي نشر في الجريدة الرسمية لمملكة مصر.

يقول تقرير للإدارة الأمريكية إنه بموجب هذه الاتفاقية وبالمقارنة بأول خريطة توضح أول حدود إدارية (الخريطة المصاحبة للفرمان التركي 1841) فإن مصر كسبت 180 ميلا غربا من الجزء الشمالي للحدود فاًصبحت مطروح وبير الرملة والسلوم داخل الأراضي المصرية. كما كسبت في الجزء الجنوبي 260 ميلا غرباً لتصبح واحة سيوة وواحة الفرافير داخل الحدود المصرية.
الاتفاقية رسمت الحدود الشمالية حسب المسالك والممرات أو الطرق ولذلك نجد نص الاتفاقية مليئا بكلمات "مسرب كذا ومسرب كذا". ولكن نتيجة أن المسارب غير مستقيمة ولتحسين عملية مراقبة الحدود تم تشكيل مفوضية مصرية-إيطالية مشتركة في 15 ديسمبر 1937 حركت أعمدة أو علامات ترسيم الحدود الثابتة على الأرض (178 علامة) قليلا لجعل الخط مستقيما بين العلامات مع إضافة 9 علامات أخرى لتصبح 187 منصة حدود أرضية ثابتة. انتهى العمل بذلك واختتم ترسيم الحدود نهائيا في 3 مايو 1938 ووضعت العلامات والأعمدة الدائمة.

رضى الحكومة المصرية بالاتفاقية يظهر واضحا في التزامها بتلك العملية التي استغرقت 13 عاما من الاتفاقية يوم 6 ديسمبر 1925 إلى نصب أعمدة وعلامات الحدود النهائية والثابتة يوم 3 مايو 1938 وما تخللها من لجان ومفوضيات ميدانية مشتركة بين الدولة المصرية وليبيا الإيطالية مباشرة وبدون التدخل البريطاني.

فلم تثر مصر قضية الجغبوب المزعومة، ورغم أنها كانت الفائز من الاتفاقية، إلا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في عام 1942 وبداية فترة الإدارة العسكرية لليبيا. فبعثت الحكومة المصرية مذكرات إلى مجلس وزراء الخارجية (لدول الحلفاء) الذي كان يدير المستعمرات الإيطالية السابقة وإلى نواب المجلس المجتمعين في مؤتمر باريس للسلام 1946. كما أرسلت مذكرة إلى مفوضية إيطاليا للسياسة والمقاطعات في نفس المؤتمر في باريس. كما أرسلت أيضا مذكرات وملاحظات وإفادات لحكومات دولية متعددة. كما ألقى المندوب المصري بيانا بالخصوص في جلستي الجمعية العمومية للأمم المتحدة الثالثة والرابعة.

كررت الحكومة المصرية مطالبها في 19 أبريل 1949، تلك المطالب التي تعددت واختلفت حسب الوقت والظروف ولكن كانت في أغلبها تطالب بضم الجغبوب وكذلك سهل السلوم ومنطقة البردي إلى الأراضي المصرية. كما طالبت في بعضها أن يكون خط الطول 24 لترسيم الحدود في المنطقة الواقعة بين خطي العرض 22 و30 والذي يعني ضم الجغبوب وواحات أخرى إلى الأراضي المصرية.

لم تتوقف المطالب المصرية حتى اضطر السيد أدريان بلت إلى رفعها إلى لجنة سياسية استثنائية للجمعية العمومية للأمم المتحدة للنظر بها، وبذلك أصبحت تلك المطالب تشكل عائقا لاستقلال ليبيا.

ولم تتوقف المطالب المصرية حتى اضطر السيد أدريان بلت إلى رفعها إلى لجنة سياسية استثنائية للجمعية العمومية للأمم المتحدة للنظر بها، وبذلك أصبحت تلك المطالب تشكل عائقا لاستقلال ليبيا.

عندها أرسل السيد إدريس السنوسي أمير برقة وقتها وفي نفس الشهر برقية إلى السيد بلت يحذر فيها من أن استمرار المطالبات المصرية وإعاقة استقلال ليبيا سيضر بالمصالح المشتركة للبلدين. فعندما اجتمعت اللجنة السياسية الاستثنائية في 13 ديسمبر 1949 كرر المندوب المصري مصطفى بي المطالب المصرية ولكن أفاد بأن مصر ستؤجل هذه المطالب إلى الدورة السادسة (أي بعد استقلال ليبيا) لمصلحة العلاقات الليبية-المصرية المشتركة. فرنسا أيضا كانت تصر على قضية تسوية الحدود الجنوبية والغربية مع مستعمراتها في تشاد والجزائر ولكنها هي أيضا فهمت رسالة وتحذير الأمير إدريس السنوسي وقررت تأجيل الامر بعد الاستقلال.

الجمعية العمومية للأمم المتحدة في دورتها السادسة غسلت يدها من البت في الأمر على أن تتم عملية تسوية الحدود بين الدول المعنية فيما بينها بالتوافق. بريطانيا وأمريكا (إلى حد ما) رأت أن المطالب المصرية لا قاعدة قانونية لها واعتبرتها باطلة (رسالة السفير الأمريكي في بريطانيا (دوقلاس) إلى وزير خارجيته - من أرشيف الخارجية الأمريكية). كما كانت تعترض بريطانيا على المطالب الفرنسية وكانت تستنجد في مراسلات كثيرة بأمريكا بأن تمارس بعض الضغوط بالخصوص. أما روسيا فلقد كانت تتعاطف مع الموقف المصري. حتى السيد عزام باشا الذي كان مهتم بقضية استقلال ليبيا كتب مقالا حماسيا على قضية الجغبوب لم يصب في مصلحة استقلال ليبيا آنذاك.

لم تتوقف المطالب المصرية بضم الجغبوب بعد استقلال ليبيا (24 ديسمبر 1951) إلا عندما وضعت قاعدة العدم البريطانية على الحدود الليبية-المصرية. وفي 30 نوفمبر-6 ديسمبر 2000 نشرت صحيفة الأهرام الأسبوعية على النت باللغة الانجليزية في عددها 510 الصادر مقالا مطولا للدكتور يونان لبيب رزق - أستاذ التاريخ ورئيس مركز الأهرام للدراسات التاريخية تحت العنوان المشكّك "اتفاق لم يصدّق عليه أبداً". المقال أغلبه ملئ بالمعلومات الصحيحة تاريخيا ولكن لعله تعمّد عدم ذكر قرار الحكومة المصرية بالمصادقة على الاتفاق يوم 11 يوليو 1932 والذي نشر بالصحيفة الرسمية المصرية. وكذلك غفل عن كل تلك اللجان الميدانية المشتركة للتطبيق العملي ولوضع وترسيم علامات الحدود.

إنّ قضية الحدود الليبية-المصرية قضية منتهية ولا يثيرها إلا عناصر انتهازية ليستغلها الأجنبي الطامع. ولكنني على ثقة تامة أن الحكومة المصرية والشعب المصري الشقيق والعريق لن يعطيا الفرصة لهؤلاء لخلق فتنة بين البلدين الشقيقين، فنحن أيضا في ليبيا ابتلينا بالكثير من أمثال أولئك الانتهازيين الذين ينخرون في مصلحة الوطن و يتهافتون على الأجنبي. حفظ الله ليبيا و مصر و شعبيهما.

المراجع:
1- تقرير الإدارة الأمريكية عن ترسيم الحدود الليبية-المصرية الصادر 1966
2- تفاصيل نص اتفاقية 6 ديسمبر 1925 لترسيم الحدود البرقاوية-المصرية نشر في مجلة الشرق الحديث الإيطالية -يناير 1926 ( Oriente Moderno Anno 6, Nr. 1, Gennaio 1926)
وكذلك نُشر بالتفصيل مع مطويات للخرائط المفصلة في المجلة الرسمية لوزارة المستعمرات الإيطالية ( Rivista Delle Colonie Italiane, Numero 4, Aprile 1933 ).
3- جميع الخرائط موجودة على موقع مؤسسة الجغرافيا العسكرية الإيطالية (IGMI) حيث يمكن شراء نسخ من الخرائط بمقابل مادي.
4- مقال صحيفة الأهرام الأسبوعية بالانجليزية على النت.
5- أرشيف الخارجية البريطانية
6- مكتبة الكونجرس الأمريكية على النت - خريطة الحدود الليبية - والجمهورية العربية المتحدة وخرائط الحدود الليبية الجنوبية والغربية.
7- الجريدة الرسمية لمملكة مصر (بالفرنسية) عن وزارة الشؤون الخارجية في العدد الأول 1926. نشرت نص اتفاقية الحدود في 6 ديسمبر 1925.
8- الجريدة الرسمية لمملكة مصر (بالفرنسية) العدد الثاني 1926 نشرت ملحق الاتفاق 9 نوفمبر 1926 لترسيم الحدود على الأرض.
9- الجريدة الرسمية لمملكة مصر (بالفرنسية) العدد 59 نشرت تصديق الحكومة المصرية 11 يوليو 1932 على اتفاقية ترسيم الحدود.
10- الخرائط المرفقة بالمقال هي نسخ مصغرة مطابقة للخرائط الأصلية الكبيرة مع اضافة ملاحظاتي بالأحمر وتتضمن الخريطة العثمانية المرافقة لفرمان الباب العالي (13 فبراير 1841) وخريطة الحدود حسب اتفاقية القاهرة (6 ديسمبر 1925) وخريطة ملحق اتفاق القاهرة (9 نوفمبر 1926) لتوضيح الجزء الشمالي المتعرج.
11- صورة الكتب لمجموعة أعداد وصلتني مؤخراً من المجلة الرسمية لوزارة المستعمرات الإيطالية.

ملاحظة: هذا المقال هو نتيجة عمل لثلاثة أسابيع ومراجعة عدة مصادر ايطالية وبريطانية وأمريكية أغلبها بحوزتي في مكتبتي. لقد حاولت جادا الدقة ولكن لا يمكن تفادي الأخطاء.
هناك مرجع اخر صدر حديثا بخصوص كل حدود الدولتين -ليبيا و مصر - لم يصلني بعد قبل كتابة هذا المقال (Desert Borderand - The making of modern Egypt and Libya, by Matthew Ellis)