Atwasat

النيل الأحمر جدا!

سالم الكبتي الخميس 02 أغسطس 2018, 10:03 صباحا
سالم الكبتي

(تصوري بالله ياحبيبتي الخرطوم
ياخيمة من الهوى والشعر والنجوم
لو أقبل الجنون
تصوري بالله ما يكون)
سيد أحمد الحردلو

كان ذلك يوم الاثنين 19 يوليو 1971 في ظهيرة الخرطوم تحركت المدرعات وسرايا الجيش وأمامها هاشم العطا ورفاقه من التنظيم اليسارى فى القوات المسلحة نحو القصر الجمهورى الواقع على شارع النيل وقرب الجامعه واعتقلت جعفر النميرى وأعضاء القيادة ووضعتهم فى قبو القصر وأغلقت دونهم الأبواب .

ثم أعلن من الإذاعة في أم درمان ليلا الإطاحة بمايو وأنصاره وكان الشريكان الآخران وهما بابكر النور عثمان وفاروق حمدنا الله بعيدا فى لندن وهتف اليسار عند ضفتى الأبيض والأزرق وارتفعت الرايات الحمراء فى الشوارع وتقدمت محاولة التمرد على نظام مايو وتردد فى الأنباء أن الحزب الشيوعى السودانى وراء المحاولة.

ثم تكركبت الأمور على رأي أخوتنا هناك رغم مظاهر الابتهاج والشماتة في النميرى وصحبه من الذين اتهموا بأنهم موالون للشيوعية عندما وصلوا للسلطة صباح 25 مايو 1969 وأسقطوا أبا الاستقلال السوداني إسماعيل الأزهرى ووضعوه فى السجن إلى وفاته وأشير حينها إلى أانه كان مجرد مدرس فحسب!.

أذكر أننى في الليلة التالية للكركبة السودانية كنت فى دار الحقيقة فى بنغازى ورأيت بعيني ابتهاج وسرور الشاعر(اللودانى يعنى الليبى السودانى) محمد الفيتورى بالحدث عندما التقينا وقد رثى لاحقا عبدالخالق محجوب بمرثية ممتازة. لم يكن الفيتورى شيوعيا، لكنه اتهم بها في سنوات ماضيات. كان اهتمامه بالزنوج واللون الأسود وعشق أفريقيا أكثر من أي شيء آخر إضافة إلى صراعاته الشعرية والفكرية مع معاصريه عبدالوهاب البياتى ونزار قبانى وغيرهما.

كانت مصر وسوريا وليبيا أعلنت قيام اتحاد بينها وقعه القذافي والسادات والأسد في قصر الضيافة ببنغازى في أبريل 1971

لم تدم المحاولة سوى أربعة أيام من الزمن وكان هاشم العطا يعتقد أنه نجح وظل يتفسح على كورنيش النيل فى تلك الليالي الأربعة بعفوية ودون حراسة مشددة، غير أن الحسابات الدولية والإقليمية عاكست الرفاق وهبت ضدهم بقوة مثل رياح السموم فى السودان.
ثم بلغ الأمر مداه: تحفز فى ليبيا وحذر في القاهرة التي أرسل رئيسها السادات أحمد حمروش وأحمد حمزة لمراقبة الوضع في الخرطوم وعادا بتقرير مفصل عنه.

كانت مصر وسوريا وليبيا أعلنت قيام اتحاد بينها وقعه القذافي والسادات والأسد في قصر الضيافة ببنغازى في أبريل 1971 بعد مناقشات عاصفة وساخنة وشرعت هذه الدول في اتخاذ الاستعدادات بشأن الاتحاد ورئاسته في استفتاء عام لشعوبها ينجز في أول سبتمبر من العام نفسه.

استبعدت الخرطوم أو ابتعدت بنفسها عما حدث وكانت فيما سبق الثالثة مع مصر وليبيا فى ميثاق طرابلس الذي وقعه عبدالناصر والقذافي والنميرى فى 25 ديسمبر 1969 ويومها أيضا كان عبدالناصر والنميري شاهدي عقد قران القذافي على زوجته الأولى فتحية نورى خالد. وقد غنى محمد وردي عن هذا اللقاء واعتبره نصرا كبيرا للأمة العربية وسيتبدل جلده لاحقا! ظل يردد لقاء ناصر وياسر وقذافي ونميري عبر إيقاعات سودانية ونسي أن أبوعمار كان خارج اللعبة ولم يحضر إلى طرابلس ولم يكن طرفا فى ذلك الميثاق، لكنه الحماس الذي لايتوقف.

العطا وبابكر وفاروق كانت لديهم تحفظات رافضة لمشروع الوحدة منذ البداية وكانوا يرونها مناسبة وفقا لظروف السودان وأزماته وخصوصيته المتعلقة بإثنيته وجنوبه وغير ذلك من تفاصيل وقد وصل الأمر إلى خروجهم أو إخراجهم من مجلس الثورة السوداني فى نوفمبر 1970 وبدأت الاتهامات هنا توجه نحوهم بأنهم مجرد صوت للحزب الشيوعي السوداني وهو من أعرق أحزاب اليسار فى العالم العربى منذ تأسيسه عام 1947 فيما ضرب السادات أيضا ضربته اللازبة في مايو 1971 مهددا بفرم خصومه الذين وقفوا أيضا ضد مشروع الوحدة علي صبري وبقية مراكز القوى على حد تعبيره الذين أودعهم غير مأسوف عليهم في سجن القلعة. وفي المجمل وقفت الدول الثلاث من موضوعة هاشم العطا ومحاولته موقفا سلبيا وبدأت في التحرك للقضاء عليه.

كانت الأمور في الخرطوم تدعو للاسترخاء ولم تكن هناك قبضة أمنية تحرس إنجاز العطا ورفاقه بالصورة المطلوبة هتافات وأغان وأناشيد وأعلام حمراء وظهور ولقاءات لزعماء الحزب الشيوعي وفى مقدمتهم عبدالخالق محجوب الذي فر من السجن منذ أكثر من شهر وظلت أجهزة النميري تبحث عنه دون أن تجده وكان تحت أقدامه في إحدى حجرات القصر الجمهوري مختفيا حتى قيام الانقلاب بحماية آمر الحرس الجمهوري المحسوب على الشيوعيين.

يوم الخميس 22 يوليو لم يكن يوما عاديا فوق الأجواء الليبية. اعترضت طائرات مقاتلة ليبية يقودها آمر السلاح الجوي طائرة ركاب عادية قادمة من لندن في فضاء بنغازى. كان الوقت أيضا في الظهيرة وكانت تسير نحو الخرطوم وأجبرتها على الهبوط في بنينا. كان على متنها بابكر وفاروق الشريكان في الانقلاب. تم إنزالهما من الطائرة وسلما بعد توقف فى القاهرة إلى النميري الذي شاءت الظروف أن تخدمه في ذلك اليوم بهجوم رفاقه من سلاح المظلات الموالين له وتمكن ورفاقه من القفز من أسوار القصر وصدفة التقى الفنان سيد خليفة. وازيكم انا لى زمان ماشفتكم. الذي نقله إلى مكان آخر. قاد منه عمليات القضاء على الانقلاب. انقلاب الأخوة والرفاق وحدث أيضا في نفس اللحظة التي أنزلت فيها الطائرة البريطانية أن سقطت في البحر الأحمر طائرة عراقية قادمة من بغداد تحمل في جوفها وفدا كبيرا للتهنئة من البعث بالانتصار ولم يعرف أحدا حتى الآن أية إجابة عن هذا التزامن الغريب بين الطائرتين الساقطة والمجبرة على الهبوط وأن العملية برمتها كانت تصفية أم تهنئة لم تتحقق وكأن الانقلاب الأحمر كان فرصة مواتية لتصفية جيوب الخصوم والرفاق على ضفتي دجلة والنيل.

واختلط الدم بالنيل وصار أحمر اللون وليس أزرق أو أبيض فقط. اعتقالات بالجملة وإعدامات طالت أغلب المشاركين ومحاكم ميدانية في معسكر الشجرة

واختلط الدم بالنيل وصار أحمر اللون وليس أزرق أو أبيض فقط. اعتقالات بالجملة وإعدامات طالت أغلب المشاركين ومحاكم ميدانية في معسكر الشجرة وسجون وكان فى المقدمة هاشم وبابكر وفاروق ثم عبدالخالق محجوب والشفيع أحمد الشيخ وجون قرنق وتولى المحاكمات النميرى بنفسه مع كثير من معاونيه. ثم كان فى مقدمة المعتقلين أيضا المطرب محمد وردي وآخرون ممن طالتهم التهم الشيوعية ولعبت التقارير الكيدية دورا كبيرا في تصفية الحسابات في العاصمة المثلثة وضواحيها.

في بنغازي خلال الأيام الأربعة ظلت الأجهزة تترصد محمد الفيتورى ومصطفى الشيباني وأبوالقاسم بن دادو الذي كان في القاهرة وخليل الأزهري المعلم الفلسطيني بتهمة الشيوعية كما لو أن لهم علاقة بما حدث هناك في الخرطوم إلى أن هدأت الأوضاع بالكامل.
ثم تبدلت الأمور، صار محمد الفيتوري الشاعر من رجال سفاراتنا في الخارج وغنى محمد وردى عندنا أصبح الصبح من نظم الفيتورى وأصبحت عنوانا أو لازمة لإطلاق سراح المساجين فى 2 مارس 1988 ومضت الأعوام والليبيون وربما العالم لم يقفوا بعد على الحقيقة أو اللعبة الدولية التي شارك فيها القذافي ذلك اليوم. ذلك العام حتى الآن. هل هي لعبة. هل هي دور. هل هو قدر. هل هو سذاجة من العطا ومن وراءه وكانوا مضحوكا عليهم. هل هو شيء آخر.

وفي تلك الأيام تحديدا السبت 17 يوليو 1971 جرت محاولة دامية في الصخيرات التي سيعرفها الصخيرات الليبيون جيدا فيما بعد، حين كان الملك الحسن الثاني يحتفل بعيد ميلاده وكان صديقه عبد الحليم حافظ وفريد الأطرش وعبد الوهاب الدوكالي يغنون له فرحة بعيده. من قبل الجنرال مدبوح ومعه مجموعة من قيادات الجيش ورهط من طلبة إحدى المدارس العسكرية للقضاء على الملكية الموغلة في القدم بالمغرب، ولم تنجح أيضا وأخذ القذافي السبق كعادته في التسرع والتأييد الذي انتهى بالفشل وقطع عليه هواري بومدين الاستمرار في اللعبة بمنع عبور أي قوات ليبية إلى المغرب.

لقد انتهى كل شيء بالفشل في يوليو ذلك العام. ذلك الصيف اللاهب كالعادة. الخرطوم والصخيرات وهاشم ومدبوح والآخرين وبقيت الشعوب تدفع الثمن وتتفرج كخيول الاسطبلات البعيدة دون أن تعلم بالحقائق الخفية. وتجهل كل شيء دون أن تدرك أن الجهل في كل الأوقات مصيبة. فمن يعرف قبل أن تغرق ليبيا في بقايا مشاكلها المزمنة وقبل أن يصبح الصبح فلا يبقى من أولئك ومن بعدهم أحد!.