Atwasat

خواطر اليوم 30 يوليو 2018م (صراع أممي على ليبيا.. ولكن تبقى ليبيا؟)

ناجي جمعة بركات الإثنين 30 يوليو 2018, 02:43 مساء
ناجي جمعة بركات

تمر الذكرى السابعة لاغتيال أول رئيس أركان في ليبيا بعد ثورة 17 فبراير 2011م وهو اللواء عبد الفتاح يونس. لقد كانت نقطة تحول وبداية غير جيدة للصراع على السلطة في ليبيا. تحولت الثورة إلى أشخاص وجماعات ومدن وتمت عسكرتها من قبل تيار متشدد أراد لليبيا الهلاك وكان المسؤول الأول عن اغتيال أحد شهداء ثورة فبراير ونحسبه عند الله شهيدا. كان من ضمن زيارات اللواء عبد الفتاح هي زيارة إيطاليا وتسريب الإيطاليين تسجيلا له يتكلم فيه مع أحد أعوان النظام وكانت رسالته لهذا الضابط بأنه سيستمر في دعم ثورة 17 فبراير. كانت هذه إحدى الحجج التي تقدم بها أعداؤه كحجة ضده. كانت إيطاليا عميلة وتحاول أن تلعب على الحبلين كما تفعل الآن وتظن أن ليبيا مازالت تمثل شاطئها الرابع.

استمر الصراع الإقليمي وتحول الصراع في ليبيا من صراع محلي إلى صراع إقليمي بين دول ترى أن مصالحها مهددة إذا أخذت زمام أمور ليبيا دولة أخرى. الصراع المحلي الذي أوصل ليبيا إلى طريق مسدود للوصول إلى تسوية سلمية مع من يدعون أنهم يحكمون ليبيا هذه الأيام. تشابكت الآراء بين أشخاص يريدون السيطرة على صنع القرار وتوجيه الحكومات إلى ما يريدونه حتى وإن باعوا الوطن للأجنبي. كذلك تقاطرت مدن بقياداتها إلى دول الجوار وغير الجوار وهم واهمون بأن هذه الدول ستساعدهم. منهم من أقسم ووعد بأن النفط الذي في حدود منطقته الإدارية سيكون نصيب هذه الدول كبيرا فيه، ومدن أخرى تتوعد بالمساعدة في الحصول على أكبر مشاريع في حالة حصول هذه المدينة على دعم تلك الدولة. كذلك بعض المدن ذهبت بعيدا وراهنت على أنها ستحكم ليبيا بحكم قواتها العسكرية وموقعها في ليبيا ولا أحد يستطيع منافستها وسمحت لبعض هذه الدول ببقاء عناصر جيشها ومخابراتها فوق أراض ليبية. هناك من يشتغلون وراء الكواليس وفوق الكواليس ومن تحت الكواليس وحتى أن هناك من يرضعون تحت الشمال ليصلوا إلى كراسي السلطة بمساعدة الدول المجاورة ومن وراء البحار.

تسريب الإيطاليين تسجيلاً للواء عبد الفتاح يونس يتكلم فيه مع أحد أعوان النظام وكانت رسالته أنه سيستمر في دعم ثورة 17 فبراير

خرجوا علينا قبل شهر بدول 3+3 ومثلما كان يفعل القذافي بدول تجمع الساحل والصحراء و5+5 وكأنهم يقولون لليبيين نحن نعرف كيف نتعامل معكم ولهذا خرجنا بهذه الفكرة 3+3. بريطانيا وفرنسا وأمريكا + إيطاليا ومصر والإمارات. هذه الدول هي من سيرعى وسيصل بالليبيين إلى حل سياسي من شأنه أن يحل مشاكل كل الليبيين.

فرنسا ترى نفسها الراعي الأكبر وهي من أشعلت حرب فبراير وهي من تريد إشعال حرب الصراع على السلطة في ليبيا. كما ترى في ليبيا حليفا نفطيا مهما لها بعدما أصبحت افريقيا ودول المغرب العربي غير مربحة وغير مجدية لها. ساندت الجيش الوطني في بنغازي ومات لها بعض الجنود وأرسلت قوات كبيرة للدول المتاخمة لليبيا في الجنوب وسفيرتهم تدخل مكاتب الحكومة في طرابلس وكأنها تدخل بيتها وتزور حفتر وكأنه وزير دفاع فرنسا.. الآن تقوم بإرسال قواتها لبعض المدن وتنافس إيطاليا في تلك المدينة التي لا نعرف ماذا تريد باستجلاب الإيطاليين والآن الفرنسيين وهل هو خوف من حفتر أو من الليبيين؟. يعلم الجميع أن أسوأ دولة عنصرية وضد المسلمين والأجانب هي فرنسا ويكفي أن كل قوانين التفرقة والاضطهاد ضد المسلمين تبدأ في فرنسا.

بريطانيا تعتبر نفسها شريكا مهما لليبيين ويفوق عدد عملائها في ليبيا عدد جهاز استخباراتها لكنها تشتغل بحذر وحيث لديها مشاكلها الداخلية ولكنها لا تثق في فرنسا بأن لا تترك الإيطاليين والآخرين يستحوذون على كل شيء. سفيرهم الحالي هو أخطر سفير تواجد في ليبيا منذ رجوع العلاقات مع ليبيا أيام القذافي. فهو يعد ولا ينفذ ويتواعد ولا يصارح. يتنقل في ليبيا ويجتمع في العلن والخفاء ومن وراء الحجاب وتحت الشمال. البريطانيين لديهم دائما خطة "ب “وهم من يرسم في الاستراتيجيات والحلول.. كذلك مازالوا لم يطلقوا الإخوان ويعتبرونهم شريكا في السلطة. لديهم جسم متوغل في ليبيا ويراهنون عليه كثيرا ويدعمونه ولكنهم يعرفون أن الليبيين يكرهون هذا الجسم الغريب الذي هو أحد الأسباب في انهيار دولة ليبيا.

هناك مَن يرضعون تحت الشمال ليصلوا إلى كراسي السلطة بمساعدة الدول المجاورة ومن وراء البحار

أما الامريكان تركوا الأمر للبريطانيين وغابت أمريكا سنتين ولكن أخيرا عرفت أن بريطانيا لا تضع ليبيا من ضمن أولوياتها حيث مشكلة خروجهم من الاتحاد الأوروبي طغت على الحكومة البريطانية. لهذا قرر الأمريكان الرجوع وبقوة وقاموا بتعيين نائب لغسان سلامة وهي أمريكية واستلمت الملف رسميا وهذه الأيام تتجول في طرابلس ومن مكتب إلى مكتب مثل سفيرة فرنسا وهناك احتمال كبير جدا بأن تقلص سلطات ومهام غسان سلامة في ظل وجود الأمريكية وليامز. الأمريكان لهم هدفان، الأول القضاء على داعش وثانيا النفط ويجب أن يكون هناك بديل ومغذ لهم في حالة وقوع أي شيء لنفط إيران. أما الليبيون فلا تعير لهم اهتماما وهم قرروا بأن يكون هناك الحكم لرجل واحد وسوف يعلنون عليه قريبا وليس كما تنقل بعض الصحف بأنه ابن القذافي ذو الأصابع المقطوعة.

تبقى إيطاليا التي تفكر دائما أن ليبيا لهم ولا أحد ينازعهم عليها. تارة مع حفتر وتارة مع السراج وتارة مع مصراتة ويعملون في الخفاء وفي العراء ودكنوني وغير دكنوني. اجتمعوا بقادة المليشيات في طرابلس ووصلوا لحفتر وأرسلوا وزير دفاعهم وخارجيتهم عشرات المرات لليبيا. كذلك لديهم تواجد عسكري في مصراتة لحماية فريقهم الطبي ووضع قدم في ليبيا وبمصراتة وحماية السراج في طرابلس. لديهم شركة إيني التي تفكر أن كل نفط ليبيا سيكون لهم. إيطاليا أم الوجهين ولديها عملاؤها ممن يشتغلون ضد أي اتفاق تحاول فرنسا وبريطانيا أن تصل إليه مع المتصارعين على السلطة. إيطاليا تبقي الرهان الخاسر في ليبيا ولن تجني أي شيء على الأمد البعيد لغياب المصداقية والنفاق التام.

أما مصر فهي ترى نفسها الحريص والحارس على ليبيا وخاصة بوابة ليبيا الشرقية. مصر تساهم بكل شيء مع حفتر لدحر الإسلاميين في شرق ليبيا، وقد يريدون مكافئات الآن وخاصة النفط، ولكن الغرب الأوروبي لا يريدون هذا. مصر تنظر لليبيا بأنها مكان استراتيجي ومهم لجني أكبر كمية من العملة الصعبة، وذلك عن طريق عمالها وسوق ليبيا المعتمد كليا على الاستيراد. مصر تريد ضمانات لصالح أمنها ومصالحها في ليبيا.

الإمارات تلك الدويلة والتي تنافس العمالقة على نفط واستثمارات ليبيا. الإمارات تريد أن يكون لها مكانة في العالم ووجدت منفذا صغيرا اسمه ليبيا وهي تقوم بدعم الجيش الليبي بكل شيء سواء في شرق وغرب ليبيا.. شراء الذمم وشراء النفوس المريضة ربما أخذ نفسا طويلة من شيوخ هذه الدويلة ولكنها لن تحقق مآربهم ومآربها حيث عمره لم تلد الفئران اسود.

ما هو الحل لهذا الصراع الأممي على ليبيا:
1-أن تتوحد الجهود جميعها بما فيها الطامعون في النفط أو النفوذ أو المال من أجل إنقاذ ليبيا اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا.
2-أن يتفاعل الليبيون مع هذه الدول لمصلحة ليبيا فقط وليس لمصالحهم الشخصية.
3-أن ترتقي هذه الدول إلى مستوى المسؤولية لمساعدة الليبيين لإيجاد حل سلمي يرسم خارطة طريق لليبيا والليبيين.
4-أن تكف هذه الدول عن دعم أفراد ومدن وجماعات وتبدأ في دعم دولة ليبيا فقط.
5-أن تكف هذه الدول عن إيواء مجرمي الحرب في ليبيا وسارقي المال العام.
6-أن تتعاهد هذه الدول الحافظ على أموال الليبيين وعدم المساس بها وألا  اذا امكن الوصول لحل سياسي في القريب العاجل.
7-أن تقف جميع هذه الدول يدا واحدة من أجل إنجاح أي عملية سياسية من شأنها أن تصل بليبيا إلى بر الأمان بعد أن يوافق عليها الليبيون بالأغلبية دون فرض أشياء والمضي فيها والاستفادة من التجارب السابقة التي جعلت من ليبيا دولة فاشلة.
8- منع الدول المجاورة وغيرها  وذلك بعدم تزويد الجماعات المسلحة بالسلاح والإيواء والتدريب.
9-الإسراع بإيجاد خارطة طريق تساعد على حل المليشيات وضم جميع أسلحتها تحت جهاز ليبي -دولي حتى يتكون جيش ليبي وتسلم له، يجب ألا تدمر هذه الأسلحة كما يريد فعلها البعض فهي ترسانة مهمة لليبيا للحد من أطماع الجيران.
10-مساعدة ليبيا في حماية حدودها ومنع الهجرة غير الشرعية التي هي أسوء على ليبيا وعلى العالم حيث الإجرام وانتشار الجريمة سيكون أكبر في ليبيا إذا ما استمر تدفق هؤلاء المهاجرين.

قرر الأميركان الرجوع وبقوة وقاموا بتعيين نائبة لغسان سلامة وهي أميركية وتسلمت الملف رسميًّا

هذه بعض الآراء التي تصب في صلب إنجاح ليبيا كدولة ومنع الانهيار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في ليبيا الذي أصبح ليس ببعيد إذا ما استمرت هذه الدول في الصراع على من يقود المركب الغارق في ليبيا. يجب أن نعترف بأن الليبيين فشلوا في الوصول إلى حل يجمعهم في وطن واحد. لقد أصبحت المناداة بالانفصال كبيرة ومزعجة من بعض الأطراف العنصرية والطامعة في السلطة. مالم يتحمل المجتمع الدولي مسؤوليته اتجاه ليبيا كما تحملها عندما أصدر القرار 1973 بحماية المدنيين من نيران ومدافع القذافي، فإن ليبيا ستكون بالفعل دولة فاشلة تنمو فيها الجماعات المتطرفة والمجرمون وشاطئ لتدفق المهاجرين إلى الشمال الأبيض. سيتم نهب ثرواتها وبيعها في الدول المجاورة التي تغض النظر عن هذا كله ومن مصلحتها أن تستمر هذه الفوضى. على الدول 3+3 أن تكثف من جهودها لتقريب وجهات النظر بين القادة السياسيين في ليبيا وليس التراشق بكلام من شأنه يقوي المتشددين والعنصريين والخونة والعملاء في ليبيا.

انهيار ليبيا كدولة سوف يصل إلى الجميع وعلى الليبيين أن يبذلوا جهدهم للعمل من أجل ليبيا وليس من أجل هذه الدول حيث هذه الدول تسعى لمصالحها الخاصة كما يسعى بعض الليبيين لمصالحهم الخاصة عندما يكونوا عملاء لبعض هذه الدول. كما أن كلمة الديموقراطية التي يأتون بها في صناديق وتحت إشرافهم لن تنفع الليبيين في هذا الوقت وهي سبب كبير في الفشل السياسي في ليبيا لأن الليبيين لم ولن يعرفوا كلمة الديموقراطية إلا إذا توفر لهم الأمان والخبز والدقيق والبنزين واستمتعوا بما أعطاهم الله من نفط وثروات أخرى جعلت لعاب هذه الدول يسيل. الوقوف جنبا إلى جنب مع هذه الدول لاستغلال هذه الثروات لصالح الليبيين مهم لا إلى سرقتها وإهدارها من قبل بعض الأشخاص.

* وزير الصحة سابقا- ليبيا
استشاري أمراض مخ وأعصاب أطفال- بريطانيا