Atwasat

جغرافية القيمة الليبية

نور الدين خليفة النمر الأحد 29 يوليو 2018, 12:33 مساء
نور الدين خليفة النمر

غالباً ما أتشائم وأنا أتأمل في فراغ جغرافية ليبيا ونقص قيمتها البشرية. ولكن هذا لا يمنعني من أن أقرأ كلمة رئيس الوزراء الإيطالي، جوزيبي كونتيو فلا أضع ككثيرين على بصيرتي عوينات نظرية المؤامرة، وأراها إيجابية. وقد شدّد فيها على ضرورة احترام حقوق ليبيا في أن لاتكون رهينة لمعاناة الضغوط من الأطراف الدولية. بل اعترافه بأن ليبيا هي دولة يجب مرافقتها على المسار الذي يقود إلى الديمقراطية، مع توفير الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية اللازمة، كي تتمكن من الصمود أمام وقع النظام الديمقراطي الدولي).)

بعض الوطنيات أو الاستقلالات المابعد استعمارية، ألجأتها ظروفها المادية ومعطيات بلدانها الجيوسياسية إلى أن تنخرط سياسياً مكرهة في خمسينيات وستينيات القرن الـ 20 في "جغرافية القيم" الغربية ـ الأميركية، بما عُرف بسياقات الحرب الباردة، وتنأى بنفسها عن الراديكاليات الوهمية، وبالنظر إلى مصالحها قلّلت من محورية قيم التاريخ والثقافة والجغرافيا، التي كانت ستفرض عليها علاقة أوثق مع جوارها العربي والأفريقي، وذلك لصالح جغرافية القيم التي تبرر التوجه نحو شمال المتوسط حتى عبر الأطلسي.

الملكية الليبية، أحد الوطنيات المابعد استعمارية: التي قفزت وهي تتوخى استقلاليتها على رهانات السياسة الداخلية

يلامس الباحث المرموق في التاريخ الليبي عمار جحيدر استقلالية الدبلوماسية الخارجية الليبية بمعطيات مقارنة بماأطلق عليه: نشأة ليبيا الحديثة في العهد القرمانلي القرن الـ 18، ونشأة ليبيا المعاصرة في العهد الملكي 1951 ـ 1969 . فالنشأة الأولى سبقتها مقدّماتها بالوحدة الجغرافية الترابية في العهد العثماني الأوّل، وماصاحبها من الاستقلال السياسي نسبياً عن مركز الدولة العثمانية فيما عُرف بنظام البايات الموصوف بـ "الجمهورية العسكرية". والنشأة الثانية، وسابقتاها اللتين ترجع جذورهما إلى "الجمهورية الطرابلسية" 1918 في الغرب الليبي و"إمارة برقة" في الشرق. وقد تحققت لليبيا في كلا السابقتين، شخصيتها السياسية المستقلة التي تمثلت في السابقة الأولى أبرز تجلياتها بعلاقاتها الدولية المباشرة بإيفاد السفراء، وعقد المعاهدات، ومايترتب عليها لتغيب هذه الاستقلالية في العهد العثماني الثاني القرن الـ 19 لعودة السلطة المركزية، فلم يبقَ لإيالة طرابلس سوى وكلائها التجاريين ـ وهم المقابل اللغوي للقناصل ـ في تونس ومصر واستانبول، وإزمير. ثم تلتها فترة الاحتلال الإيطالي، وبعده الإدارة البريطانية في الشمال والفرنسية في الجنوب .

الملكية الليبية، أحد الوطنيات المابعد استعمارية: التي قفزت وهي تتوخى استقلاليتها على رهانات السياسة الداخلية، مكتسبة مشروعية إقليمية بأدوار أوكلت لها من المنظومة الدولية الغربية. رغم هشاشة السياسة الداخلية في الحقبة الزمنية 1951 ـ 1969 التي شغلتها في التاريخ الدولة الليبية المستقلة، والتي أبرز معالمها: ثغرات في الدستور، وتجميد الحياة السياسية وإفقارها بمنع الأحزاب الوطنية، والتزييف المتكرر للانتخابات، وعدم استجابتها لتطلّعات الشباب والفشل في إدماجهم في سياسة بديلة عما يؤثر فيهم من المحيط العربي المتوتر بالديماغوجيات الشعبوية، والخضوع للراديكاليات العربية، بالتشويش على اختيارتها واتفاقياتها مع القوة الغربية الداعمة لاستقرارها وأمنها وابتزاز انخراطها في جغرافية قيم الغرب من تكتل عربي ثوري قادته زعامات شعبوية، التأم بمحور عالم ثالثي مسيّس بدأت تعصف به الإكراهات والإنحيازات، رغم إطلاقه شعارات الحياد الإيجابي المتوهّمة.

هذا الأمر الذي جعل الملكية الليبية من الأنظمة المجاورة لها إقليميا، مطمعاً للمزايدة. تلك التي اختارت لظروفها، وتماهياً مع رغبات ومطامح نخبها السياسية الشابة، من الطبقة الوسطى الصاعدة أن تنقلب عسكرياَ على ملكياتها، فتكون الأنظمة المحافظة، في مرمى تهجماتها وغوغائياتها فوصفتها في خطاباتها الراديكالية بالرجعية، بل وصمت توجهاتها السياسية المعتدلة والمتريثة بالخيانة والتبعية والعمالة للغرب الإمبريالي.

حاولت مذكرات رئيس الحكومة الثانية 54 ـ1957 مصطفى بن حليم أن تقدّم صورة ما عن نجاعة الدبلوماسية الليبية

رغم ذلك حاولت مذكرات رئيس الحكومة الثانية 54 ـ1957 مصطفى بن حليم أن تقدّم صورة ما عن نجاعة الدبلوماسية الليبية، وسياستها الخارجية على الأقل في قضيتين إقليميتين: أزمة قنال السويس 1956، ودعم استقلال الجزائر الذي تمّ في عام 1962 ، في حقبته الوزارية التي تميّزت سياستها الخارجية في مسائل أخرى بقبول القوى الدولية، التي أخدت على عاتقها مهمة السلم العالمي، وحق تقرير المصير للشعوب في حقبة مابعد الاستعمار.

كما بلورت أيضاً "الورقات المطوية" من فصول كتابه البرغماتية العفوية فيما أعنيه بالتموضع في جغرافية القيم بتوّجهات السياسة الخارجية الليبية، حيث استُفيد بحنكة من قيمة الجغرافيا لتفعيلها سياسة تهدف إلى التوفيق بين الحس الجغرافي السليم وبين معطيات المكان وفيما بعد بزوغ طاقة النفط ، بتوظيف إمكانات الثروة لإظهار ليبيا بمظهر الدولة الوازنة في المجال الإقليمي الذي بدأت تبهظه إرباكات التاريخ في الجغرافيا. فالمعاكسة كانت من التاريخ وراديكالياته، الذي استبدّت به أوهام القوميات العروبية، من القاهرة التي كما كتب المفكر الجغرافي المصري جمال حمدان لم تنقذها عبقرية مكانها، وجغرافيتها من مشكلتها المزمنة المتمثلة في حاكمها ميراثها من زمن الفراعنة الذي تفشل جيوشه غالباً بعدم الدراية باشتراطات الجغرافيا.

المبدأ العام للسياسات يتنافى ووجود دولة ديمقراطية في العالم لاتنظم علاقة متبادلة بين السياسة الخارجية والسياسة الداخلية، بما يخالف ماذهب إليه هنري كيسنجر في مقولته المشهورة عن إسرائيل بأن ليست لها سياسة خارجية بل سياسة داخلية فحسب. ولكن النجاعة الليبية ربما تغيّر إلى حدّ ما في الحقيقة المستقرة في علم السياسة والعلاقات الدولية، والتي تقول أن السياسة الخارجية للدولة هي انعكاس ووجه آخر لسياستها الداخلية.

ما طرحناه آنفاً يتعلّق بالسياسات الخارجية مهما كانت محدودية تأثيرها مقارنة بحجم البلد وعدد السكان، والتطور المعرفي والثقافي للشعب؛ وهو ما يجاوزنا أنظمة مثلتها الدكتاتوريات العربية كالجمهورية الثورية وفيما بعد الجماهيرية الليبية، والبعثية العراقية، لعبت أدواراً بدون سياسات لاداخلية ولا خارجية في الأُطر الإقليمية، والدولية نهاياتها الدراماتيكية حكمت عليها.

لسؤال الذي يتبادر في ذهن المتشائمين والمتفائلين هو: هل مازالت لليبيا قيمة تؤهلها لأن تساعد نفسها على الديمقراطية؟!

وإمارات نفطية عربية تلعب اليوم نخبتها الحاكمة المنعزلة عن شعبها الذي لاحضور له، أدوراُ في السياسة الإقليمية، بدأت تظهر نتائجها العقيمة والضارة بمستقبل رهط ساكنيها وإماراتها، وظهرت تداعياتها السلبية بضخ المال المفسد إلى جانب مؤثرات قوى إقليمية ودولية أخرى على ما عُرف ببلدان الربيع العربي وثوراتها وأبرزها ليبيا التي تعصف بها منذ عام 2012 الانقسامية التي تحيلها رغم إمكانياتها الاقتصادية والجيوسياسية إلى نفق البلاد الفاشلة، ومخاطرها التي تتهدّد مقوّمات الدولة، التي حققت الحقبة الملكية ملامحها بالتوافقات المجتمعية، بدل السياسية، وتمرير فيما بعد الريع النفطي في مشروع دولة، حقّق أهدافة الأساسية في الأمن، والتنمية في أدنى شروطها.

السؤال الذي يتبادر في ذهن المتشائمين والمتفائلين هو: هل مازالت لليبيا قيمة تؤهلها لأن تساعد نفسها على الديمقراطية؟!. ليس في القيم التي لم تعد لها جغرافيا قيم، كما بينّ دومينيك مويسي في مقاله الانقسام عبر الأطلسي وتفكك جغرافية القيم. بل الجغرافيا الليبية ذاتها المنقسمة والمفتتة. التي لم تعد لها قيمة الخصائص الجوهرية لجغرافيا وطن.