Atwasat

ميليشيات عار الدولة

نور الدين خليفة النمر الأحد 15 يوليو 2018, 01:44 مساء
نور الدين خليفة النمر

زرعت الانقسامية الليبية وحربها الأهلية، بذور انهيار الدولة، التي ساد نمطها الشّاذ في المجتمع 1980 ـ 2011 منتهياً إلى الفساد المبرمج، والمُتحكم فيه من رأس السلطة. وأفرزت بعد 2011 تراثا تمّ استعادة بعض ملامحه من فترات استثنائية في التاريخ الليبي عنصره الأساس سلاح تداولته الأيدي فصار مشاعاً تكوّنت بتداوله مجموعات مسلّحة، وشبكات تهريب في كل شئ حوّلت الدولة الثورية البديلة عن الدكتاتورية إلى صدفة فارغة خالية من أي قدرة مؤسساتية هي بحاجة إليها لتلافي الانهيار الاقتصادي ومعالجة أزماته وتداعياتها الاجتماعية.

عندما تصبحُ الدولة الهشّة الوارثة لدولة الفوضى عاجزة عن أفعال الضبط والمُراقبة والمُعاقبة، فإن الفرد يكون قد فقد الثقة في القانون والمؤسسات ويرتدُّ إلى حالة ما قبل الدولة. ولأن الطبيعة تأبى الفراغ، لذلك تظهر قوى بديلة عن الدولة تمارس السلطة وتحمي الأفراد الذين يُحتازون في مجالها: وطبيعياَ في ليبيا كانت ستظهر العائلة والعشيرة والقبيلة في مواجهة الشكل غير المشروع من العنف الذي تمارسه العصابات بمسمّى الميليشيات وأمراء التهريب و"الحرابة" وبلطجية الأحياء السكنية والمُنحرفين الذين يسيطرون على الطرق ووسائل النقل.

الدولة الهشّة الوارثة لدولة الفوضى عاجزة عن أفعال الضبط والمُراقبة والمُعاقبة

وتكمن خطورة هذا الوضع ليس فقط في أن هذه القوى الجديدة أصبحت تقوم بمهام الدولة: أي حماية حياة الأفراد "الأتباع" وأملاكهم، ومقاضاة الجناة حسب عُرفها (الثأر أو الفدية) وأن الفرد بالتالي أصبح مُلزما بأن يدفع لها ضريبة مقابل خدماتها وأخيرا، يصبح الولاء لقوى "ما تحت الدولة" التي صارت فوق الدولة، وليس للوطن، وهو ما يعني أننا سُرعان ما نجد هذه القوى قد تسلّحت وأصبحت لها جيوش تتعدى الحي والعشيرة والقبيلة. سرعان ما تحوّلت في الحالة الليبية إلى"دولة الميليشيات" بعكس المهام السالفة. في محتسّد الحرب الأهلية التي لاتنتهي مادام المال الفاسد يغذيها، وهو لوبي ولد وترعرع في حقبة سبتمبر الاشتراكية، والكومبرادورية اللاحقة، وتغوّل في حقبة فبراير الثورية بكل أطيافها السلطوية والأيديولوجية والمجتمعية.

في السياق المقولي الخلدوني تبرز مفهومة "الفساد المؤذن بخراب العمران" عادة في شكل بنية غنائمية تقليدية تتكون من: الحاكم وعسكره والجُباة "المخزن" ومقدّمي الضرائب من أصحاب المهن والتجارات والخراج من أصحاب الفلاحات المُستغلين، والمستضعفين "السيبة". لكن ما أوردته بوابة الوسط عن المشروع البحثي للمعهد العالي للدراسات الدولية والتنمية في سويسرا نتائجه تبرز مواصفات معقدّة للغنائمية الليبية مابعد تغيير 2011. فمنعطف المال الفاسد الليبي صار مع الوقت بالميليشيات يملك قرار الحرب والسلم، و يدير باقتدار اقتصاد الحرب الأهلية فاستفادت الميليشيات من أزمة نقص السيولة في المصارف، والتلاعب بسعرالدينار إزاء الدولار وباتساع الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والسعر في الأسواق السوداء.

دفعت أزمة الصرف المجموعات المسلحة في طرابلس للتورط بشكل أعمق في القطاع البنكي

بل دفعت أزمة الصرف المجموعات المسلحة في طرابلس للتورط بشكل أعمق في القطاع البنكي، إذ تنافست الميليشيات الأربع الكبرى على السيطرة على المصارف وفروعها المختلفة، وتنافست على قدرتها على ترهيب موظفي المصارف أو حمايتهم من الآخرين، لأجل التربح من بطاقات الائتمان وعمليات إصدار خطاباتها.

كما شكلت تلك المنافسة إطارا للصراع بين مجموعات موالية ومعارضة للمجلس الرئاسي. ومع زيادة التوترات حول الوصول إلى العملة، سعت المصارف للحصول على حماية من المجموعات المسلحة لإدارة توزيع المال. وهنا تربحت المجموعات المسلحة، بشكل مباشر وغير مباشر، بسبب علاقاتها الجديدة مع المصارف، إذ تدفع إدارة البنوك مصاريف شهرية للمجموعات المسلحة مقابل الحماية. وهي في كل ذلك لا تتحرك بدافع القوة الغاشمة، لكنها تحافظ على سير عملياتها عبر شبكة معقدة من التواطؤ والمنفعة المتبادلة والإكراه. ويقوم بعض كبار رجال الأعمال في طرابلس بالتقرب من مجموعات مسلحة بعينها للوصول إلى خطابات الائتمان، مقابل استثمار جزء من أرباحهم في المجموعات المسلحة نفسها.

وهذه العوامل ساهمت في توسع نفوذ تلك المجموعات داخل العاصمة

اللافت للانتباه في منظومة السلطة في ليبيا ونموذجها السائد اليوم في العاصمة أن المجموعات الأربع المسلحة الكبرى المسيطرة على طرابلس ليست موالية للحكومة، بل إن الحكومة خاضعة تحت رحمتها فحكومة الوفاق مجرد واجهة مزيفة، وقراراتها تمليها المجموعات المسلحة التي تستعين بها. والتي أخذت حظوتها بتشجيع القوى الدولية على دخول المجلس الرئاسي العاصمة تحت حماية مجموعات مسلحة مختارة، دون التفاوض بشكل جدي حول ترتيبات أمنية مستدامة ترضي الجميع. وهذه العوامل ساهمت في توسع نفوذ تلك المجموعات داخل العاصمة. مما يوّجه اتهامات للأمم المتحدة والحكومات الغربية بالمساهمة في خلق الوضع القائم في طرابلس، ولهذا تتحمل الأمم المتحدة والغرب بعض مسؤولية ما يجري في طرابلس، ومسؤولية النفوذ والسلطة التي حصلت عليها المجموعات المسلحة الأربع.

بناءً على إكراهات العبث الميليشاوي الذي صار عار الدولة الليبية يأتي طلب حكومة الوفاق الوطني، المدفوع من ضغوط أميركية بتشكيل لجنة دولية فنية، للقيام بمراجعة كافة الإيرادات والمصروفات وتعاملات مصرف ليبيا المركزي في طرابلس والبيضاء. والطلب الذي وصف بالاستعجالي يأتي استكمالاً للمسعى الأميركي الذي بدأ في مؤتمر تونس يونيو 2018 لإصلاح الاقتصاد الليبي في خطوتين: توحيد المؤسسات المالية، لكي تتمكّن المصالح الليبية الأخرى من الحصول على الدعم اللازم والارتقاء بالخدمات المقدّمة للمواطنين، وإصلاح الاقتصاد الليبي لدعم الاستقرار لتمكين الليبيين من التصويت لصالح القادة الذين يأتمنونهم على موارد البلاد.

المهمة الأميركية ـ الدولية بدأت وعلى المحتل الميليشاوي الليبي الفلاّق أن يضع عصاه على كاهله ويرحل باتجاه سراب الصحراء حيث تولد الأوهام.