Atwasat

ذاهبون إلى نهاية التاريخ

كمال التواتي الثلاثاء 10 يوليو 2018, 12:36 مساء
كمال التواتي

من المؤكد أن العرب كانوا قد خرجوا من التاريخ ودخلوا إلى الجغرافيا بسقوط عاصمة الخلافة العباسية بغداد في العاشر من فبراير عام 1258 على يد القائد المغولي ذائع الصيت (هولاكو خان)، ونقصد بالخروج من التاريخ في هذا الصدد أن العرب لم يعد لديهم أي حضور خلاق أو تأثير إبداعي على الحضارة الإنسانية إثر هذا السقوط، ليقعوا بعدها فريسة للاحتلال التركي الذي دام 600 عام لم يقدم خلالها هذا الاستعمار أية إسهامات حضارية للعرب في الحضارة الإنسانية، لأنه في الأساس، أي هذا الاحتلال التركي، لم يكن شيئا على الإطلاق، وبعد الإعلان عن انتهائه رسميا في بداية العشرينيات من القرن الماضي على يد كمال أتاتورك، تم استعمار هذه الدول العربية من قبل الدول الغربية تحت العديد من المبررات أهمها فكرة الانتداب على هذه الدول وتهيئتها لأن تكون قادرة على أن تحكم نفسها بنفسها، ولهذا فإن الانتداب تم تبريره وقتها وفق وجهة نظر ميثاق عصبة الأمم بأنه كان عملا حضاريا اقتضته مصلحة هذه الشعوب.

وحتى بعد استقلال هذه الدول العربية عن هذا المستعمر الأجنبي الغربي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية ووصول أنظمة وطنية إلى سدة الحكم في هذه البلدان، فإن التغيير الذي حصل كان فقط يحصل على مستوى السلطة لكن على مستوى الإنسان أو المواطن العربي لم يحصل أي تغيير ولم تحصل أية تربية سياسية على الإطلاق للإنسان العربي، وترتب على ذلك عدم وجود أي حضور لهذا الإنسان العربي أو لهذه الأنظمة العربية التي تحكمه على الساحة الدولية وتحول العرب نتيجة لذلك فقط إلى ملاك لثروات ضخمة وفضاء استراتيجي ومجرد أدوات أو أحجار على رقعة الشطرنج الدولية التي يحركها اللاعبون الكبار طبقا لقواعد هذه اللعبة أو بمثابة الكرة التي تتقاذفها أقدام هؤلاء اللاعبين الكبار.

الثورات لا تخرج من المساجد أو الكنائس

وحتى بعد حصول ما عرف بالحراك العربي أو بثورات الربيع العربي (وفق المصطلح الفرنسي) في بعض هذه الدول، وأتيحت الفرصة للتحرر وللخروج من سيطرة هذه الأنظمة الشمولية التي حكمت هذه الشعوب لعقود عدة وانشاء هوية خاصة لهذه الشعوب، فإن المشكلة التي واجهت هذه الشعوب تكمن في أنها لم تكن مستعدة أو مؤهلة في الأساس للقيام بهذا الحراك الثوري أو هذا التغيير لعدم وجود نضج سياسي قادر علي تحويل هذا الحراك من مرحلة الحدث إلى مرحلة الثورة والبناء، ذلك أن التحرر يقتضي أن يكون الإنسان القائم بهذا الحراك متحررا هو الآخر وهذا لم يحصل وذلك بسبب هيمنة مجموعة من الموروثات التقليدية يأتي على رأسها فكرة الدين بمفهومه السلطوي أو السياسي وذلك منذ اليوم الأول لقيام هذه الأحداث على هذا الإنسان العربي، ذلك أن خروج هذا الحراك في معظمه من المساجد مرددا تكبيرات وشعارات دينية وتغلغل حركات الإسلام السياسي فيها، جعل من هذا الحراك الثوري أن يكون في النهاية أسيرا لهذه الموروثات الدينية بمفهومها السياسي، فالثورات لا تخرج من المساجد أو الكنائس حيث تدلنا فلسفة تاريخ الثورات أن هذه الأخيرة ولكي يكون مقدرا لها أن تنجح يجب أن يسبقها تنوير فكري يؤدي إلى نضج القائمين بهذا الحراك بحيث يجعلهم يدركون ما يريدون فعله في الحاضر والمستقبل.

بكلمة أوضح أن الثورات يجب أن تخرج من الميادين العامة وأن تطالب بحقوق مدنية تجمع كل عناصر المجتمع الطبيعية وهو ما حصل فعلا مع الثورتين الفرنسية والشيوعية، بكلمة أوضح مرة أخرى أن الإسلام وشعارات الديمقراطية والمساواة التي رفعتها شعوب الربيع العربي هما ضدان لا يجتمعان، فالديمقراطية هي في الأساس فكرة يونانية تم تبنيها من قبل الدول الغربية وأساسها المواطنة والاعتراف بالآخر المختلف، فهي حكم الشعب للشعب وبالشعب، بمعنى أن الشعب هو من يحكم، بينما الإسلام يقوم علي فكرة أو مفهوم الشورى وحتى في إطار هذه الشورى فإنها كانت محصورة في أشخاص محددين كانوا متواجدين حول الرسول الكريم، لذلك فإن خطاب صاحب مشروع الإسلام السياسي وعن إيمانه بأدوات وآليات الديمقراطية الغربية هو خطاب غير مفهوم ومتناقض ويصب في طريق الخداع، فهو يؤمن أو يتحدث عن هذه الآليات لأنه يعرف أن ذلك هو الطريق الوحيد الذي يوصله إلى السلطة، لكنه عندما يصل لا يعرف إلا مشروعه الخاص الذي يقوم في الأساس علي فكرة أممية أساسها خلافة رسول الله شخصيا ويقوم أيضا على كره الدولة الديمقراطية بالمفهوم الغربي، لأنها وفق تكوينه ووجهة نظره أن هذه الدولة هي فكرة صليبية مسيحية في الأساس، ويحاول تفكيكها كلما سنحت له أو واتته الفرصة في ذلك، بكلمة أوضح أن الدمج بين شعارات الدين السلطوي أي الدين الذي يضع نصب عينيه فكرة الوصول إلى السلطة وبين آليات الديمقراطية الغربية، جعل من هذه الثورات وبحكم قوة الأشياء أن تتوقف وأن تتعثر في منتصف الطريق فلا هي بالقادرة على الرجوع إلى نقطة البداية ولا هي بالقادرة على مواصلة طريقها كون الاتجاه المؤدي إلى هذا الطريق لم يعد واضحا أو مفهوما أو محدد المعالم.

الثورات يجب أن تخرج من الميادين العامة وأن تطالب بحقوق مدنية تجمع كل عناصر المجتمع الطبيعية وهو ما حصل فعلا مع الثورتين الفرنسية والشيوعية

ولكي يتم التحرر من هذا التوظيف للدين وأن تستكمل هذه الثورات طريقها، فيجب تحويل الدين من تجربة مجتمع بأكمله إلي تجربة فردية، فالدين يجب أن يبقى في مكانه الصحيح الذي هو علاقة روحية فقط بين الإنسان وخالقه، لأنه إذا تم جعله تجربة مجتمع بأكمله أو إذا تم توظيفه سياسيا، فإنه سيتحول بالضرورة من مبادئ سامية مقدسة إلى مجرد إقصاء وعنف وكره للآخر المختلف، فيجب الفصل دائما بين ما هو ديني وما هو سياسي اقتصادي واجتماعي وهذا سيحصل في الدول العربية مثلما حصل في الدول الأوربية، فهذه الأخيرة لم تتقدم إلا عندما تخلصت من سطوة أو سلطة الكنيسة ورجال الدين ووضعت الدين في مكانه الصحيح، أقصد أن هذا التحول ممكن ومؤكد الحصول طالما سبق وأن حصل في مجتمعات أخرى.

ولهذا فإن الربيع العربي هو بداية قطيعة مع الماضي وعملية استئناف عنيف لدخول الدول العربية إلى التاريخ من جديد وبداية حضور فاعل للعرب في الحضارة الإنسانية بعد خروج أو غياب دام عشرة قرون متواصلة، وسيؤتي أكله في تغيير المؤسسات والأشخاص أو الإنسان العربي، فالمجتمع لا يمكن له أن يتغير إلا إذا تغيرت مؤسساته أي أن مؤسسة السلطة يجب أن تصبح مؤسسة ديمقراطية، فحتى هذه اللحظة لا تعرف شعوب الربيع العربي معنى الديمقراطية التي من مقتضاها تحرير الإنسان وذلك بإيجاد سلطة لها كيان مستقل خارج جميع التكوينات الدينية والقبلية والطائفية والمناطقية أو الجهوية، كما أن من مقتضاها أيضا تحرير المرأة إذ لا يمكن تحرير المجتمع والسير به نحو الأمام إذا ظل نصفه الآخر غير محرر ومعطل، بمعنى أن هذا الحراك الثوري العربي سيصل بالعرب في نهاية المطاف إلى الديمقراطية وفق نمط أو مفهوم الديمقراطية الليبرالية الغربية، فهي النموذج الوحيد القابل للحياة ليس لأنها صيغة مثالية وإنما لأنها تتضمن صيغة تسمح للجميع أن يعيشوا في ظلها بصرف النظر عن انتماءاتهم العرقية والطائفية والدينية فأساسها هو المواطنة.

وهذا هو سر نجاحها بالرغم من كل الأزمات الاقتصادية والسياسية التي تعصف بهذه المجتمعات التي تتبنى هذه الصيغة من الحكم، لكن من المؤكد أن ذلك لن يحصل بين عشية وضحاها، بل إن الأمر يتطلب وقتا طويلا لقيام النضج والوعي بها وفهم قيمة هذه الديمقراطية في إرساء التعايش السلمي في المجتمع، وهي الصيغة التي تمثل نهاية التاريخ لهذه الدول، وهو المعنى الذي نقصده بالذهاب إلى نهاية التاريخ، بمعنى الوصول إلى الديمقراطية وفق المفهوم الغربي الليبرالي والتي تمثل نهاية التاريخ، لأنها الصيغة الوحيدة القابلة للاستمرار والبقاء ولن تكون بعدها صيغة أخرى للحكم، بكلمة أوضح مرة أخرى إننا كعرب كنا قد صبرنا عشرة قرون، فإننا قادرون مرة أخرى على أن نصبر أربعين أو خمسين سنة أخرى.

الربيع العربي هو بداية قطيعة مع الماضي وعملية استئناف عنيف لدخول الدول العربية إلى التاريخ من جديد

وفي هذا الصدد فإننا نؤكد أن بعض الدول العربية غير السعيدة بهذا الربيع أو التغيرات التي حصلت على مستوى أنظمة الحكم في دول عربية أخرى وتحاول جاهدة أن تفشل أو تعرقل سير هذه التغيرات الحتمية وتسوق لشعوبها فكرة فشل هذه الحالات الثورية وتقول لهم إذا قمتم بثورات فسيكون مصيركم الفوضى والسقوط، وهذا غير صحيح على الإطلاق، إذ إن الشعوب بطبيعتها لا تسقط ولا تموت ولا تستقيل وإن ما يحصل لدينا الآن هو أمر طبيعي يحصل لكافة الشعوب في أوقات أزماتها وأن هذه الأنظمة العشائرية التي تتوافر على الحكم في هذه الدول أو هذه البلدان هي أنظمة هشة بطبيعتها ولن تسلم من حركة التاريخ، وستخضع لعملية استئناف الدخول إلى التاريخ من جديد في خلال العقدين القادمين على الأكثر وستخضع لما نمر به الآن من تغيرات وتحولات تاريخية نراها طبيعية كما سبق القول لأنها تتضمن استئنافا عنيفا لما يجب الخلاص منه.