Atwasat

محنة أمة (4)

أحمد معيوف الثلاثاء 10 يوليو 2018, 11:30 صباحا
أحمد معيوف

إذا تمعنا فيما يحدث بيننا الآن، فسنجد أن العناصر التي كبلت انطلاق دولنا نحو الغد هي نفس العناصر التي أدت إلى تقويض الحضارة الإسلامية في ماضيها، لا زلنا أسرى الاستبداد السياسي والانغلاق الإيدولوجي والدغمائية الفكرية، وهذه آفات أصابت الأمة الإسلامية منذ أن سال دم عثمان مخلفا التأسيس للاستبداد بالحكم على يد معاوية، وانتهاء بعصر الجمود الفكري نتيجة الحجر "الإكليريكي" على الفكر.

ويتكلس العقل المسلم في القرن العشرين... عن عجز في الفهم... ويرى العودة للدين سببا للارتقاء، وكأن أمم الإسلام قد ارتدت عن دينها، ويغيب عنه ما أدركه الكواكبي من أن الارتقاء والحضارة سبب في العودة للدين والفضيلة وليس العكس. ولم يدرك هؤلاء جدلية الزمن، ويظنون أن الزمن ثابت لا يتقدم، وأن العصور تتطابق ولا تتطور، متناسيين أن سنة الله في الأرض هي الحركة، فلم تتوقف الرسالات السماوية إلا بنزول الوحي على محمد صلى الله عليه وسلم، ولو كانت العصور تتطابق لما كان هناك حاجة لتجديد الأديان، وكانت البشرية اكتفت بما أنزله الله على آدم عليه السلام.

يتماهى العقل المسلم في الانغلاق على القدسية التي اكتسبها التاريخ والنصوص التراثية والسلف

كما يتماهى العقل المسلم في الانغلاق على القدسية التي اكتسبها التاريخ والنصوص التراثية والسلف، لدرجة أنه من المبكي والمضحك معا أن تقرأ في بعض كتب التاريخ الإسلامي أن سيدنا فلان (رضي الله عنه) قتل سيدنا علان (رضي الله عنه)، وهذا... بالإضافة على أنه دليل وحجة دامغة على عدم أفضلية سلف عن خلف كما يدعي البعض فالكل يقتل الكل... هو أيضا من مؤشرات غياب العقل المسؤول، العقل الذي لا يتخذ موقفا واضحا من مسألة الصواب والخطأ. وقد ناصبت العقلية التقليدية العداء للعقل، ورأت في العقل عدوًا للدين، ورأت في عدائها للعقل حارسا لهذا الدين. كذلك تميزت بالعقل الدغمائي، لذلك عملت على تجريم كل من يخالف أراءها، والأمثلة في التاريخ الإسلامي كثيرة. وقد التقى هذا العقل الدغمائي مع السلطة السياسية التي رأت فيه سياجا يحميها ويبرر استبدادها، لذلك فشعوبنا عاشت وتعيش في قبضة هذا الاستبداد داخل هذا السياج.

لا أعلم كيف تفاعل القارئ مع عبارة محمد إقبال الصادمة التي ابتدأ بها هذا المقال، إن تصريحه هذا فيه اختصار لكل الأزمة التي تمر بها شعوبنا، إنه باختصار يقول إننا ما عدنا قادرين على فهم ما يجرى حولنا، لأننا فقدنا القدرة على الإنتاج الفكري، فقصور لغاتنا في التعبير عن الإشكاليات التي تواجهنا... بسبب غيابنا عن الحضارة... هو قمة الشلل الفكري الذي ابتلت به أمتنا فتسبب في الأزمات التي تعاني منها شعوبنا.

لإسلام دين دعوة، والدعوة إلى الله لا تستوجب قيام محيط معزول عن الآخر

على المستوى الشخصي أجد أن السؤال ما كان يجب أن يطرح أصلا، إذ لا أجد لثنائية "نحن وهم" معنى، ذلك أن الإسلام دين دعوة، والدعوة إلى الله لا تستوجب قيام محيط معزول عن الآخر، فالبشر واحد والأصل في الحياة التكامل بين البشر وليس القتال مصداقا لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}. الدعوة لا تتم في محيط الكراهية بل في بساتين المحبة، ولا تسور بسور العداوة بل بجسور الرحمة، وإني أرى أن هذا الزمن قد ابتلي بفريضة سوق على أنها غائبة وهي فريضة الجهاد عوضا عن فريضة غيبت قسرا وهي فريضة الدعوة، وبالتالي تكونت هذه الثنائية الغريبة عن الدين.

والله من وراء القصد.