Atwasat

أميركا ورؤية لـ.. ليبيا

نورالدين خليفة النمر الأحد 08 يوليو 2018, 10:41 صباحا
نورالدين خليفة النمر

ما انفكّ الصراع الليبي ـ الليبي بعد انشطار عام 2014 المؤسسي والمجتمعي يوما بعد يوم، يبلور نفسه في الثنائية الأقاليمية، وقوامها فريقان رئيسيان متنافسان، لكنهما يتفقان في خطوط عريضة أبرزها وحدة البلاد، وضرورة تحقيق الاستقرار كُلٌ برؤيته فيها. بل نستطيع القول، حتى ننأي بنقاش سياسة المصالح وواقعياتها، عن الفكرانيات وصراعياتها المصطنعة والدخيلة في كليشيهي الإسلام والعلمانية، الذي أورث من الجانبين فقط ميليشيات نهّابة وصمت ليبيا بعار غياب الدولة، ونؤطر فكرياً الأمور وقد عادت إلى نصابها في ثنائية الجهويتين شرق وغرب، برقة ومصراتة المتوزعة في العاصمتين، وهكذا يعيد التاريخ مع الاستثناءات نفسه السنوسية البرقاوية، وجمهورية السويحلي الطرابلسية، الإمارة  السنوسية وجمهورية حزب المؤتمر الوحدوية التي آلت فيما بعد لمناصرة مصراتة الطرابلسيين والاثنتين يتقاسمان ليبية ماقبل دخول ريع النفط الذي قلب رأساً على عقب كل الثوابت والمجتمعيات الليبية الهشّة  .

وبلعبة أمم المصير الليبي، تبلورت أيضاً  في قوتين الأطراف الأوروبية النافذة في معضلته إيطاليا، بمصالحها الاستثمارية القارّة طوال الحقبة الدكتاتورية1969 ـ 2011، وفرنسا الموعودة  بمكافأة إسقاط الدكتاتورية الليبية عام 2011، وإن اختلفت رؤى أوروبا ومصالحها، فإنها تتوافق على الخشية من أن تستفحل مشكلة الهجرة وأن يساعد الانشقاق وغياب دولة مركزية في أن تُستثمر ليبيا ممراً إليها. وهو الموضوع الذي توترّه في أوروبا التوجهات الشعبية المحافظة واليمينية التي تتلاعب بمخاوفها الشعبويات السياسية المعارضة في فرنسا وألمانيا أو التى تسنى لها الوصول إلى السلطة في النمسا وإيطاليا .

صنعت الولايات المتحدة الأميركية ليبيا دولة بترولية عام 1963لمقتضيات وجيوغرافيا الحرب العالمية الباردة منتصف خمسنيات القرن الـ 20 . ورغم عدم أهمية النفط الليبي اقتصادياً لها فهي التي تظل المقرّرة لإدارته الليبية، والحَكَم، لتسوية التنافس الفرنسي ـ الإيطالي في محاوره الليبية الراهنة: الإرهاب الإسلامي العابر للوطنيات والقوميات، وله الأولوية كما يرد في تصريحات رئاستي أميركا الديمقراطية والجمهورية التي أعقبتها تخوّفاً من أن تكون ليبيا مطيّته لزعزعة الأمن الأميركي في أفريقيا والبحر المتوسط وجنوب أوروبا / والهجرة من الفقر والدكتاتورية الأفريقية العابرة للحدود والجغرافيات إلى الجنة الوهمية الموعودة في أطلنطك مابعد البحر المتوسط وما ستحدثه في أوروبا من خلل في الديموغرافيا / والمستجّد الأخير بإعادة الموضعة الأميركية للنفط الليبي، كداعم أفريقي ـ شمال أفريقي لتعزيز صفقتها السلامية مع الإستكانة العربية، والحربية إزاء التطرّفات الإيرانية النووية في الشرق الأوسط.

وفي هذا السياق يمكننا ترتيب التحركات الأميركية في نسق منتج لرؤية ففي 24 أبريل 2018 زارت السفيرة الفرنسية في ليبيا مدينة مصراتة والتقت مع أعضاء المجلس البلدي في البيان المشترك أكدّوا على الدور الفرنسي في إحداث توازن بين الأطراف السياسية المختلفة، وإيصال صورة كاملة للمجتمع الدولي. كما أكدّت السفيرة على دور مصراته في اكتمال العملية السياسية والوصول بليبيا إلى حالة الاستقرار. في  27 يونيو  2018 وصلت القائمة بأعمال السفارة الأميركية في ليبيا إلى مصراتة يرافقها ضباط أميركيون من قيادة "أفريكوم“. وعلى الفور عقدوا اجتماعات منفصلة مع نواب وعسكريين وكان الاجتماع في القاعدة الجوية. الاجتماع ومكانه ينبئان عن ترّاص أمريكي مصراتي كما كان شأنه في حملة البنيان المرصوص للقضاء على داعش سرت، وهذه المرة سيكون توجهه لضرب بؤر الإرهاب الإسلامي في الوديان الممتدة خلف سرت في بني وليد وخطوطه الأفريقية الداعمه.

النتيجة السياسية العاجلة لهذه الزيارة الأميركية إعلان وفد مصراتة، الذي كان من المقرر أن يتوجه إلى باريس في 30 يونيو 2018  إلغاء زيارته المبرمجة، للقاء المسؤولين الفرنسيين عن ملف الأزمة الليبية مُرجعاً ذلك إلى عدم رضائه على الترتيبات البروتوكلية. هذا المنعطف دفع السفيرة الفرنسية يرافقها وفد في 28 يونيو 2018 إلى الطيران إلى الرجمة في الشرق للتباحث مع قائد مُسمى الجيش الليبي، الذي أربك مسار تصدير النفط بخطوته المتخبطة غير المحسوبة النتائج، والتي لاشك أحرجت فرنسا، ورئيسها أمام الرئاسة الأميركية التي منحته تفويضاً شفوياً بدور في إنهاء الأزمة الليبية وهو حسب صحيفة "الغارديان" سيكون متغيراً في الموقف الفرنسي حياله، وفرصة لإيطاليا لطلب التفويض الأميركي لها بل الدعم اللوجستي لحملتها لإيقاف الهجرة في المتوسط أمام السواحل الليبية، بل  ترسيخ نقاط أمنية في بلدات بالجنوب الليبي متاخمة لمناطق النفوذ الفرنسي في النيجر  .

إلا أن مايبرز انخراط أميركا الجّاد والمتجدد في ليبيا، هو تعيين الأمين العام للأمم المتحدة القائمة بالأعمال الأميركية السابقة لدى ليبيا نائباً لرئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (UNSMIL) .وتحديداً للشؤون السياسية. وهو مايعني دخول الولايات المتحدة تحت المظلة الأممية لاعباً أساسياً في التسوية السياسية الليبية المرتقبة، وعدم ترك الأمور لفرنسا عبر نفوذها على المبعوث الأممي إلى ليبيا. والأهم منح القائمة بأعمال السفارة الأميريكية السابقة بحكم وظيفتها الأممية حرية الحركة في متابعة ما بدأته في مصراتة. بذلك نعود إلى خطة احتواء ليبيا أمنيا التي وضعت نقاطها الأولى وزيرة الخارجية الأميركية الجمهورية رايس في زيارتها إلى ليبيا  05 - 09 - 2008، والتي تابعها ـ رغم تمنّع الرئيس الديمقراطي أوباما ـ النائب الجمهوري جون ماكين إبّان الثورة الليبية 2011 ، والتي أثمرت جهوده في التفكير جديّاً بأن تكون ليبيا مركزاً استخباراتيا أميركياً لمتابعة التطرّفات الإسلامية في أفريقيا، مقتل السفير الأميركي في حادثة قنصلية أميركا في بنغازي  2012، أعطت المبرر للاستنكاف عن المشروع ولعب الورقة الإسلامية البديلة بما حقق فوضى مميتة بشراكة "أوباما ـ كلينتون" بتداعياتها المشؤومة إلى يومنا هذا في أعوامنا الكبيسة.