Atwasat

التكيّف الليبي وتكييفه

نور الدين خليفة النمر الأحد 01 يوليو 2018, 01:54 مساء
نور الدين خليفة النمر

سأتجاوز التوصيفات النظرية للطبيعة والتطبّع، والتكيف والمنافرة، لأن المقال يتعلق بالفعل المتعمّد لتغيير الطبيعة بالتطبيع، والتكيّف الإرادي بالتكييف العمدي أو العسفي، وسأتناول الموضوع من واقع الخبرة المجتمعية، ونباهة الملاحظة والمعايشة. وأبدأ من نفسي موّصفاً مظهرية لباسي وبدائية سلوكي، التي لم أتكهّن بغرابتها بسبب انقطاعي 9 سنوات عن ثقافة السفر التي حرصت أن تكون متوجهة إلى بلدان أوروبية محدّدة، تقصّدتها اهتمامات الثقافة.

وأنا من ليبيا فبراير 1992 أمرق عبر مطار فرنكفورت مبتعثاً بقرار شمل 200 طالباً ليبيا من حملة الماجستير الذين تعطل أغلبهم 10 سنوات عن إكمال دراستهم. الإيفاد كان ربما تحسّبا للحصار الجوي على دولة ليبيا المارقة الذي جرى تنفيذه بعد شهر من وصولي إلى ألمانيا بقرار من مجلس الأمن الدولي. فجئية القرار، واختياري ألمانيا وحيداً دون زملائي ـ الذين توّجه أغلبهم إلى بلدان عربية ـ كان لتحضير درجة الدكتوارة في أبستمولوجيا الفلسفة، أضحت مع الأيام وهماً كالسراب.

سأتجاوز التوصيفات النظرية للطبيعة والتطبّع، والتكيف والمنافرة، لأن المقال يتعلق بالفعل المتعمّد لتغيير الطبيعة بالتطبيع

أبتعد قليلاً عن استنكافي الترحال، ومعتادي الِحلّ، وأسرد حكايتين الأولى عن أستاذي الذي علّمني اللغة الإنجليزية في طرابلس العام الدراسي 1969 ـ 1970.. وأنا أراه في فناء كلية التربية عام 1983 طالباً منتسباً يجرجر قدميه بمداس متهالك حائل لونه، وبدلة ليبية قميص وسروال، مفصلّة في الصين، أبلى قماشها الزمن، ونظارّات طبية متهتكة تخفي عينيه الساهمتين، وجبينه الذي كان وضاءً وقد اكتسح رأسه الصلع. صُدمت، وتداعت لي صورته معلّم لغة قادماً للتوّ من تدريبه في أكسفورد، يلتحف معطفه الـ"ماكسي" المحزّم من نصفه ينزل للكعب، حيث حذاؤه الجلدي المتين تبرز مقدّمته اللامعة وباتجاه العنق ياقة قميص أبيض تلتّف بها ربطة عنق الفراشة ونظارة بعوينات بصورة الروائي جيمس جويس، يحمل في يده بتثاقل حقيبة جلدية مُقسّمة بجيوب كل واحد منها يحتوي وسيلة بيداغوجية: طباشير وكُرات ملوّنة ومعلقات بكرات وصور وكتب وكراريس إيضاح.

واللافت أن درسه ليس فيه كلمة من لغة الضاد بل لغة بصفاء أدبيات العهد الفيكثوري. صورة التكيّف الأصعق. تُجليها رواية أستاذ علوم التربية عمر الطويبي، جدّية مقالي ستختصر سرديتها الماتعة التي أضحكتنا بدموع من بكاء. أنه عند عودته من دراسته العليا بأميركا؛ وفي عام 1983 التقى جارهم القديم الذي خبره شابّاً وسيما أنيقاَ في طابور المصرف بالجامعة؛ والذي تبيّن صورته بعد لأي إنساناً متهدّما برثاتة ثياب معلم الإنجليزية الآنف الذكر وخصائصة. وقد تمّ نقله من سنوات للعمل من طرف الخدمة العامة إلى قسم الصادر والوارد بكلية الزراعة، وحيل بينه وبين مهنته السابقة موديلاً في محلات المبروك الراقية للملابس الرجالية في قلب العاصمة طرابلس، التي تم إقفالها بقانون إلغاء التجارة واعتبارها ظاهرة استغلالية في ليبيا عام 1979.

تمضي أشهر ويلتقيه في نفس المكان والطابور، عرفه من صوته إذ ناداه فلم يلحظه لغرابة ملبسه إذ كان يرتدي عفريتة شُغل رمادية متسخة، وحذاء مطاط لزجا يمتد إلى ركبتيه، وطاقية ليبية ترتاح على رأسه، وقد صار عاملاً منتجاً بحضيرة الطيور بكلية الزراعة بعد تنفيذ مقولة الكتاب الأخضر: "الجامعة يخدمها طلابها". فخير بين الاستغناء عن خدمته وتحويله إلى ملاك العطالة بأمانة العمل، أو الضمان الاجتماعي أو التحول طوعياً!! إلى موقع إنتاجي بالجامعة، فاختار المدجنة.

في الحقبة الليبية الثمانينية للقرن الـ 20 ،التي تم فيها الشروع المؤسسي لضرب بنى الدولة في ليبيا لتأسيس الفوضوية التي تحصد ليبيا نتائجها المُرّة اليوم ، كان قد لفتني وكنت مسؤولاً في منشأة النشر العامة أن قسم توريد الكتب الذي كان شبه معطّل عن العمل لسنوات بسبب ماسمّي بالثورة الثقافية عام 1973تم الإيعاز له باستيراد كتاب بكمية ملفتة مترجم للعربية هو "مجتمع اللادولة" للأنتروبولوجي الفرنسي بيار كلاستر، أطروحته المبنية حسب إدعائه على دراسة ميدانية تقول "إن غياب الدولة عند المجتمعات البدائية ورفضهم لها لا يعود إلى نقص فيها، أو لأنّها تمثّل طفولة البشريّة أو بسبب عدم اكتمالها، أو لأنّها ليست مجتمعات كبيرة الحجم أو غير راشدة؛ بل لأنّها تحديدا ترفض الدولة في مفهومها الواسع، أي الدولة المعرّفة في أدنى صورها بأنّها علاقة سلطة".

العارف بليبيا الثورية 1969 ـ 1977 وليبيا الجماهيرية حتى سقوط النظام بثورة شعبية 2011 ، يعلم أن هذه الأطروحة القاتلة هي الوجبة الأيديولوجية التي تغذاها، وتعمّد تغذيتها تقريبا لكل أفراد الشعب رأس النظام الدكتاتور لمايزيد عن ثلاثة عقود وكرّس لها كتابه الأخضر، وأرفقها بكتيبات شارحة في شكل محاضرات وروّج لها بمؤتمرات شملت أطراف الدنيا بل كلّف مؤلفين عربا وليبين بالتأليف فيها أبرزهم أستاذ الفلسفة الفرنسية المعاصرة الليبي رجب أبودبوس فكتب له "محاضرات في النظرية العالمية الثالثة" ألحقه بكتاب "في الحلّ الاشتراكي". بل المادة الفكرية التي حشدّها من الكتابات الوجودية المتمركسة لسارتر، وماركوزة وغارودي وكتابات الأناركيين ألهمت تلميذه القيادي في اللجان الثورية أحمد أبراهيم القذافي أن يؤسس لنظرية اللجان الثورية وهي أداة مسيّسة في يد النظام، في صورة حزب أو بالأحرى عُصبة منفلتة من المعايير وغير خاضعة للقوانين بكتيبيّه "التنظيم الثوري" و"الدولة والثورة".

هذا الوضع يبدو جديراً بالتأمل والدراسة، لكنه يثبت أن مجتمع اللادولة مجتمع بائس كئيب، كحال الليبيين اليوم

أحداث الهلال النفطي 14 يونيو 2018 التي تواقتت و"عيد الحرائق الليبية" حسب مقالي في صحيفة الوسط 24 يونيو. 2018 .تأتي حلقة في سلسلة من التعويقات للمسار السياسي الذي تلحّ عليه الأمم المتحدة، والدول الغربية النافذة مصالحها في القضية الليبية، لعقد انتخابات برلمانية ورئاسية يؤمل منها إنهاء الانقسامية المؤسسية والمجتمعية في ليبيا ما بعد أحداث 2014 الدامية. أحدها مؤتمر تونس الذي جمعت فيه مندوبية الأمم المتحدة في ليبيا مؤسستي الانشقاق الليبي البرلمان القابع في شرق ليبيا بدون عمل، ومجلس الدولة الذي لم تتحدّد دستورياً شرعيته، ووظيفته ليعمل. الكاتب في الشأن المغاربي محمد الحدّاد، علق متجاوزاً الأكمة، إلى ماوراءها كاتباَ أن: "المجتمع الليبي لم يعش ظاهرة الدولة في الجزء الأكبر من تاريخه، لذلك تبدو قابلية التكيف مع حالة اللادولة لديه أكبر من المجتمعات المناظرة، حيث تنشأ تنظيمات صغرى تحلّ محلّ ما يعتبر عادة من وظائف الدولة، وأبرزها الأمن. هذا الوضع يبدو جديراً بالتأمل والدراسة، لكنه يثبت أن مجتمع اللادولة مجتمع بائس كئيب، كحال الليبيين اليوم. فنظرية المجتمع بلا دولة التي سادت طويلاً لدى (بالأحرى في تصوّر) الانتلجنسيا تجد في ليبيا اليوم شاهداً على تهافتها وفشلها. هذه النظرية دافع عنها الفوضويون، وحنّ إليها علماء الاثنولوجيا الذين درسوا المجتمعات القديمة، واستبطنها كارل ماركس عندما تصوّر نهاية التاريخ في شكل مجتمع لاطبقي لا يحتاج إلى الدولة. وقد كتب على الليبيين أن يختبروها مرتين: مرة في عهد العقيد القذافي ومرة في عهد الثورة، وكان وضعهم بائساً في التجربتين، مع أنه اليوم أشدّ بؤساً.

خلاصة مقالي إذ تتوّخى البُعد عن التنظير الثقافوي المسقط من الخارج، فإنها ترمي مستندةً على بعض الكتابات القليلة المعتمدة على مذكرات الساسة، ووثائق من أرشيف الدولة، إلى أن ليبيا استقلت بمواصفات الدولة الوطنية التي يحكمها الليبيون لأوّل مرة، وآخر مرة في التاريخ، في24 ديسمبر 1951 وحتى انقلاب العسكر عام 1969 توفرت فيها شروط الدولة، وهو ما أدركناه بوعي الصبا المبكر ومن عام 1977 بانتهاء فعالية المجلس العسكري، وبإعلان مايسمى بسلطة الشعب، التبس مفهوم الدولة بفوضى اللادولة بالمعنى الأنتروبولوجي الذي حدّده بيار كلاستر، وبالتوصيف الثقافوي الذي نعى به الكاتب م. الحداد المصير الليبي اليوم .