Atwasat

وداعًا أوفنايت الكوني..صمت وصحراء وبحر

سعاد الوحيدي الإثنين 18 يونيو 2018, 07:27 مساء
سعاد الوحيدي

كخنجر غاص في القلب واقتطع فلذة منه، ليغرق الروح بسيل من حمم، كان وقع رحيل رفيقي أوفنايت الكوني في قلب فجر هذا العيد.... (بعد  أن نوى الصوم كالحلاج أول الشهر، ولم يفطر، وقد استغرقته غيبوبة مُطهرة عارمة النورانية، إلا يوم العيد مثله بين يدي الرحمن). غادر أوفنايت هذه الأرض دون ضجيج، أوعتاب أوعناد.... في صمت الرهبان، وجلال التعبد. وفي رونق الصبح الصحراوي المبلل بالندى، كما كان مقامه هنا، إلى مقامه هناك.

يواسي وجعي شقيقه، وشقيق روحي إبراهيم، في عتمة الليل، وقد توارى عنا أوفنايت للثرى: أتذكري ما قاله الشبلي عن الحلاج بعد رحيله (لقد كنّا  جميعًا على دين الحلاج، لكنه انحاز هو للبوح، وكتمنا نحن ما في القلب سراً كونياً، أغلقنا عليه أهداب الروح). أوفنايت كان ذلك القديس الصامت، المسكون بالقربان والهدى، ولكنه لم ينطق.

أنا من نطق بأسرار التيه، لكنه لم يفعل. مع ذلك فإن كل ما كتبت كان هو ملهمه، كل ما عرفته عن الصحراء، عن الفلسفة أواللاهوت، وعن العشق والرحيل والوجع والإنصهار بالكون، كل ما نحت روحي وأزهر قلبي، كل ما عشته من معنى...إنما تعلمته عنه. كان هو الروح، وكان الملأ حولي....رحيله أوقعني في فراغ لن يتبدد إلا بلقائه.(في زمن آخر ومقام آخر ووجودٍ غير هذا الوجود).

صوت نحيب اِبراهيم عبر سماعة الهاتف (متأتي عن الطرف الآخر من البحر المتوسط)، وهو يمتزج في أفق مفارق مع نحيب قلبي، حملني لجواب الحلاج المصلوب، وهو يحتضر بالوجد لخالقه، عن سؤال صديقه ما التصوف يا حلاج: إن "أهونه ما ترى". وبدأ لي وجع رحيل أوفنايت في ذاك الفجر، قد تجسد في أم الحلق روحاً للتصوف. (عله أصعب  معارج الروح أن تتخضب بالأنين حتى الفجيعة).

كان عصف الحنين للوطن قد  أخذ يهدد جسدي المتهالك تحت وخز البُعاد والقطيعة.  

وقد طال تشردي على أرصفة المنفى، لذا ما أنفك اِبراهيم الكوني (وزوجته الجميلة)، يطل علي من أطراف الكون ليسأل عني "حالي"، ويشحن القلب بلهيب مقاوم كل مرة... كان على وعي بأن الروح قد تختار الإبحار نحو الوطن، وتفارق ذاك الجسد المعذب على أرض نحت الغرباء فوقها مفردة "النوستلجي". وكان يقول لي : (لا تبكِ على وطن أجدر به أن يُبكى عليك). وأخذ  يتوعدني برهة قبل الثورة، بأنه سيأخذني عنوة لرمال الصحراء، لأتمرغ فيها وأشبع بالوطن، حتى لا يغتالني الحنين.

أوفنايت هو من أتى لي بالصحراء إلى باريس، وجعلني أتجذر وجداً في الوطن منذ الساعات الأولى للثورة. وهذا ما أريد أن أكتب حوله هنا. فلم يعرف أحد،( ولن يعرف، إذا لم أتوقف لأعطي لهذا الثائر المتلحف بالتواضع حقه من نياشين)، حجم الدور التاريخي الذي لعبه أوفنايت الكوني في إنجاح ثورة ١٧فبراير المجيدة .

هو لم يكن في الصف الأول من السياسة، (لذلك لم ينحز للبوح كما فعل الحلاج، وإن كان على دينه)، فلم يهتم كثيرًا بأن يعلن انشقاقًا أوالتحاقًا بالثورة. كان ذلك واجب شقيقه الأصغر موسى، الذي أعلن من باريس انشقاقه من منصبه الدبلوماسي آنذاك،  وانضمامه لثورة شعب عازم على تغيير الأمور. أما أوفنايت فقد تسلح بالصمت ليجعل من الثورة معراجاً نحو الحق والخير والجمال (وإن فشلنا). ليبدأ مشواراً لن ينتهي إلا بانتصار إرادة شعب في تغيير النظام.

هنالك كنت قد اكتشفت أوفنايت الرجل العسكري المحنك (خبيرالطيران العمودي)، العارف بالصحراء وثغور البلد، والزعيم المؤثر لدي قبائل الطوارق الأحرار، حلفاء العديد من قبائل أحرار أبرار في جنوبنا الطاهر. محنكاً، مسكوناً بالسكون، متكاسلًا إلى الرحمة. فهو ما أنفك يشدد، أمام عنفوان الحراك الثائر في حينها، بأنه الأجدر؛ إن مالوا للسلم أن نجنح له، وأن ندعوا أولاً بالتي هي أحسن، لأن ينضم كل ليبي لإرادة الشعب.

كان من نصح شقيقه موسى الكوني بأن يوجه بالتيفيناغ النداء التاريخي لشباب الطوارق؛ المنخرطين في صفوف التشكيلات العسكرية للنظام السابق، للالتحاق بالثورة. ذلك النداء الذي ما فتيء يصدح في قلب الوطن علامة فارقة باتجاه جلال البدء. ولكنه أيضًا كان يرشد للاستعداد للمواجهة أن لم ينجح النضال السلمي. (حينئذ حفر أوفنايت الكوني تفاصيل عزم منتفض، سيبقى من أسرار المقاومة العسكرية، إلا أنه يجب أن يتسجل في التاريخ موقفًا رائدًا لرجل لم ينطق مرة  بشأن ما قام به من دور جوهري). ثم هو سيكون بعد ذلك، من بين قلة ممن سيعودون إلى الظل بعد انتصار الثورة، ولم التق به خلال سنوات التعثر، إلا لمامًا. وكان يسألني بوجع الآمال الخائبة كل مرة: (هل فشلنا)؟. اليوم أجيبه : أنا لا أعتقد ذلك. بل أجدني على يقين بأن ذاك التراب الطاهر الذي احتضنه عشية العيد لن يخذله، لن يخذل صدقه الرباني مع الوطن، وانتصاره لجلال العوز للتغيير، ولصنع أمة يكون فيها كل "إنسان"، خليفة لله على الأرض. وأن هذا الثرى الذي جمعه اليوم مع كثير من الشهداء، لن يخلف وعده وموعده معهم ومعنا بموسم آت وارف الحرية.