Atwasat

انتخابات استعادة الموسيلينية

نورالدين خليفة النمر الإثنين 18 يونيو 2018, 01:56 مساء
نورالدين خليفة النمر

أعطى المزاج الشعبوي الذي التبس الفاشية المُسقطة أربعينيات القرن الـ 20 ـ وطرحته مُجدّداً انتخابات إيطاليا 2018 ـ ، في العالمثالثيات استمرارية روح فقدتها نظيرتها النازية؛ بل نقلت الموسيلينية التي اخترعت الفاشية عام 1922 الاستعمار الإيطالي في أفريقيا وقاعدته ليبيا إلى محطة دولية فارقة، نأمل أن نقرأ تتبعاً تاريخياً دقيقاً لها من رؤية ليبية بصدور كتاب مفتاح السيد الشريف "ليبيا تحت حكم موسوليني". وحتى ذلك الوقت ستبقى الرؤية المعمّمة التي تلقفناها من كتابات تاريخية إيطالية شاملة لديل بوكا وكتابات عن غرامشي، والتي تُجمع على أن الموسولينية كانت ردة فعل اليمين الإيطالى على أزمة سنوات العشرينيات الاقتصادية ومستتبعاتها كانهيار الأوضاع الفلاحية في الجنوب والبطالة، وتسريح الجنود: جيشٌ من العساكر المسرحين العاطلين الذين زحف الفاشيون ذوو القمصان السود بهم إلى العاصمة روما. وأخيراً مواجهة البوادر الشيوعية وامتدادها في إيطاليا. ولكن مالايخفى على المؤرخين أنه لا الرأسمالية الإيطالية، التي توجهّت حكومتها برئاسة جولييتي الليبرالي لاستعمار ليبيا عام 1911. الذي كان السياسي الاشتراكي وقتها بنيتو موسوليني من معارضيه ولا أداتها السياسية، الموسيلينية، فيما بعد كان لديهما أسوة بألمانيا طموح السيطرة على أوروبا، وبالتالي ضمناً على العالم. وتحدّد مجال البروبغندا حول مسألة إعادة بناء الإمبراطورية الرومانية! في المستعمرة الفقيرة، المُكلفة ليبيا، وإلى حدٍّ ما الشقائق الأفريقية آرتريا والصومال 1914 .

 نقلت الموسيلينية التي اخترعت الفاشية عام 1922 الاستعمار الإيطالي في أفريقيا وقاعدته ليبيا إلى محطة دولية فارقة
تُرجعنا وقائع التاريخ إلى أنه قبل سقوطها، حاولت فرنسا إحكام تحالفات أوروبية تحدّ من التهديد الألماني فأبرمت اتفاقية موسوليني-لاڤال الموُّقع عليها في7يناير 1935. والتي كان أحد بنودها تنازل فرنسا عن شريط أوزو بتشاد ليصبح ضمن حدود ليبيا. وإطلاق يدّ إيطاليا في الحبشة. الذي لم يكن غزو ها في العام ذاته، سوى مغامرة لترضية جنون العظمة وإثبات الكفاءة أمام الشريك المحتمل الذي يلوح على الأبواب فيما سيرشحه الصراع الأوروبي. أما على المستوى الدولي فإن موسيلينى استوعب الحقيقة بأن استقرار نظامه يرتكز على التحالف تابعاً، إما لبريطانيا العظمى، التى لها السيادة فى البحر المتوسط، أو الأرجح لألمانيا النازية. التي ستكافئة بالمستعمرة البريطانية مصر. ولقد ظل التردد في اتخاذ القرار قائما حتى عشية الحرب العالمية الثانية. لكن التابث البنيوي الذي ألجأ إيطاليا لاحتلال ليبيا في عشرية القرن الـ 20، والتصعيد الفاشي في عشرينيته الذي أحكم استعمارها بسياسة الحديد والنار ممتداً إلى الحبشة يكرّر تقريبا الحوافز الشعبوية ذاتها: التفاوت الأقاليمي في مستوى العيش شمال صناعي تؤزمه اليوم الإكراهات البيروقراطية للاتحاد الأوروبي وضغوطات العولمة وجنوب متأزم تاريخياً، يتفشى فيه الفساد والبطالة بلغ معدلها بمناطقه لما يقارب الـ 60% بين الشباب.
المقارنة مستبعدة بين إيطاليا الحاضر، والماضي 1911 المعزولة والمهمشة عن اللعبة الاستعمارية ولاعبيها بريطانيا وفرنسا، والتي لم يكن أمامها إلا ركوب مخاطرة الاستعمار فهي اليوم عضوة مؤسسة للاتحاد الاقتصادي والنقدي الأوروبي. الذي رغم رصده ميزانية لتضييق فجوة التفاوت، والتي يستخدمها لدعم سياسات التماسك بين بلدانه منذ ثمانينيات القرن العشرين، إلا أن هذه التدابير التي بدت إلى حدٍ ما ناجحة في العديد من المناطق؛ فإنها فشلت في مناطق أخرى مثل جنوب إيطاليا، والسبب الضعف المؤسسي والفساد المستشري الذي يشجبه الشعبويون تحالف "حركة خمس نجوم + رابطة الشمال"، الذين فازوا بالأغلبية في الانتخابات اليوم.

كان أحد بنودها تنازل فرنسا عن شريط أوزو بتشاد ليصبح ضمن حدود ليبيا. وإطلاق يدّ إيطاليا في الحبشة
إن ضعف المنظومة السياسية الحاكمة في إيطاليا خلال مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية ـ كما بيّن كتاب "البقاء دونما حكومة: الأحزاب الإيطالية داخل البرلمان“. ـ شكل واحداة من قواعدها السياسية شبه التابثة، فقد كان التحرير من الفاشية بمثابة حرب شبه أهلية. ونتيجة لذلك، اضطر الفاشيون للاختباء فى العقود التالية لسنة 1945، دون أن يكون اختفاؤهم تاماً وحقيقياً. ولكن ظهور حكومة محدودة الفعالية بعد الحرب العالمية الثانية يُعد في جزء منه رد فعل للأحداث التاريخية السالفة. هذا الضعف الحكومي البنيوي أمد النظام بما وصفه كتاب "دي بالما " بمرونة أشبه بمرونة الكرة المطاطية؛ ذلك أن الأفراد والصيغ السياسية تتساقط، لكنها بفعل أقل ترتد من جديد. لذا كان النجاح الانتخابى لليمين المتطرف فى العقود الأخيرة مثار قلق، في إيطاليا والبلدان الأوروبية المقاربة التي صارت بالتدريج ضحايا انتشار رأسمالية الاحتكارات المعممة السائدة اليوم. ولم تعد في يدّ القوى السياسية المضادة في مواجهة تواطؤ اليمين البرلمانى.التيار المسمى ديمقراطي/ يسارى، أو اشتراكى فى آخر الأمر من سبل إلا اللجوء إلى الامتناع عن التصويت، أو الارتباك، أو التصويت لليمين المتطرف الذي يلعب على مخاوف غرائز الحمائية!.
إيطاليا التي استنامت لمايقارب الستة عقود لواقع أن تتولّى مقاليد السياسة فيها الحكومات المركزية الضعيفة، ليست في حاجة لتلك المواءمات الحزبية والتسويات التي يشترطها السلوك الانتخابي الاستراتيجي كما في الأنظمة الجارة القارّة وأبرزها فرنسا وألمانيا؛ ففي إيطاليا دائما بمقدور الناس التظاهر والتعبير عن غضبهم والإدلاء بأصواتهم في الاستفتاءات والانتخابات لتوضيح آرائهم. ولا يتوقع الأفراد أن تتردى الأوضاع كثيراً إذا ما فعلوا ذلك. وربما يعود هذا إلى أن الحكومة المركزية ربما لا تملك سيطرة فاعلة بدرجة كبيرة على شؤون الحياة اليومية للمواطنين مقارنة بالمؤسسات الأخرى داخل المجتمع، التي لا تتأثر كثيراً بالضرورة من نتائج الانتخابات. ومن الممكن أن تتضمن مثل هذه المؤسسات مجتمعات محلية قوية وشبكات اقتصادية غير رسمية وشركات.

كان النجاح الانتخابى لليمين المتطرف فى العقود الأخيرة مثار قلق، في إيطاليا والبلدان الأوروبية المقاربة التي صارت بالتدريج ضحايا انتشار رأسمالية
المؤشرات التي طرحها مؤتمر باريس، أن اللوبي الاقتصادي الإيطالي الذي تمثل استثماراته البترولية في ليبيا مجموعة "أيني" سينصّب ضغطه على الحكومة المُنتخبة، التي تسلمت مهامها مطلع الشهر الحالي، لأن تصمد أمام ما اعتبرته خططًا فرنسية لزحزحة المكانة الاقتصادية لإيطاليا من مرتبتها الأولى في ليبيا حتى التغيير الليبي عام 2011 والانفراد باستثماراتها علي حساب المصالح الاقتصادية الحيوية لروما. بل تجرأت صحيفة " 2 أوري" إلى وصف مايجري في ليبيا بأنه "لعبة شطرنج بين فرنسا وإيطاليا" حظوظ حسمها تبدو في الكفة الفرنسية. هذا الرأي يؤكده البيان الذي صدر عن الناطقة باسم البيت الأبيض، عشية لقاء الرئيس الأميركي بنظيره الفرنسي على هامش قمة "السبع الكبار" أخيراً بكندا يبرز تفويضاً أميركيا لفرنسا لقيادة المسعى الأوروبي، لإيجاد حل للمشكلة الليبية بمشاركة جميع الأطراف المعنيّة، لتحقيق نتائج طويلة الأمد. الشعبوية الموسيلينية أشبع تطرّفاتها التاريخ والاستعمار والشعبوية الإيطالية الموروثة عنها اليوم عبر صندوق الانتخابات، يشبع توّجهاتها الثورية محاكمة المؤسسة، والتغذى على مخاوف الغرائز، الحمائية والهوياتية، المُهدّدات التي تشهد اختلافاً، وتصعيداً فرنسيا ـ إيطاليا إزاء ما تقذف به قوارب الهجرة غير القانونية عبر شواطي الغرب الليبي. لكن الخلاف الحقيقي حول مابعد الشواطئ إنه هناك حيث يكمن النفط والترواث.