Atwasat

الأبريز وتخليصة من باريز

نورالدين خليفة النمر الثلاثاء 12 يونيو 2018, 05:25 مساء
نورالدين خليفة النمر

رغم الاحتفالية التي سادت مؤتمر باريس والشكليات الدبلوماسية التي طبعته وغرابة الكرنفاليات الليبية التي صاحبته تظل المؤتمرات الدولية والمبادرات الأوروبية بالذات ترياقاً مُخفّفاً لمرض الانقسامية الليبي، ليكون محلاً للتداول الديمقراطي، فلا تنأى به بعيداً عن الحل المأمول الدكتاتوريات والدوغمائيات القوروسطية الإقليمية الضالعة في الانقسامية الليبية بشهوياتها وغضبياتها.

العتبة الفاصلة
فليبيا الأقاليمية المستقلة عام 1951 هبة الجيوبولتيك تَقرّرَ مصيرها كمستعمرة إيطالية سابقة في حقبة مابعد الاستعمار بأن تكون العتبة الفاصلة بين الاستعمارين الإنجليزي المشرقي العربي والفرنسي المغربي، وأميركا التي حسم تدخلها في الحرب انتصار الحلفاء على المحور في شمال إفريقيا ستكون الإمبريالية الوارثة للاستعمار القديم ومنه الاستعمار الإيطالي بتثبيث نفوذها العسكري في عاصمته الكولونيالية السابقة طرابلس، وإقليمها؛ بل حسمت حضورها في خمسينيات القرن العشرين بأن تكون ليبيا بؤرة من بؤر المعسكر الغربي الأنجلوساكسوني في الصراع بين الرأسمالية الإمبريالية و الشيوعية. 

وبترتيب بريطاني ـ آميركي أُخرجت فرنسا من منطقة انتدابها بولاية فزان، ورئيس الحكومة الليبية التي وقعّت اتفاقية الجلاء الفرنسي عام 1956، هو الذي وقعّ عام 1954 اتفاقية مع آميركا بخصوص عقد استئجار قاعدة "ويلس" الحربية التي وضعت ليبيا حتى الانقلاب العسكري 1969، في قلب الحرب العالمية الباردة عليها أمناً وتنمية ورخاء. 

إيطاليا حسمت حضورها في خمسينيات القرن العشرين بأن تكون ليبيا بؤرة من بؤر المعسكر الغربي الأنجلوساكسوني في الصراع بين الرأسمالية الإمبريالية و الشيوعية

سخونات الربيع العربي 2011 ، الذي تلكأت فرنسا عن التجاوب معه سريعاً في تونس، تلافته في الجارة النفطية الغنية، التي شكّل دكتاتورها في ثمانينيات القرن الـ 20 ضاغطا مزعجا على مستعمراتها الإفريقية جنوب الصحراء؛ كماحُرمت من تقاسم كعكتها سنوات لأزيد من عقدين، مع الكارتل النفطي الثلاثي الأميركي ـ البريطاني وفيما بعد الإيطالي وعينها هذه المرّة تمتد لمنطقة النفوذ التقليدي البريطاني في الشرق الليبي الذي موقع نفوذه بعد تغيير 2011 في مصراتة، فحلّت بها في مؤتمر باريس وصمة البريكسيت. والهدف الفرنسي هو السيطرة على مخزون الطاقة في خليج سرت، الذي لم يجر استكشافه بالكامل حتى الآن، ويمثل هدفا استراتيجيًا أوروبيًا كبيرًا، خصوصًا وأن شركة «توتال» الفرنسية تبدو مصممة على التمركز بقوة فيه بسبب ترواثه الواعدة.

المبادرة الفرنسية
لاشك أن المبادرة الفرنسية انتهزت الغيابين الأميركي المنشغل بإبرام صفقات السلم في كوريا والحرب ضد إيران وتوابعها المتطرّفة في الشرق الأوسط. والغياب الإيطالي الغارق في ملابسات تشكيل الحكومة الإيطالية الجديدة التي في حالة إنجازها ستعيد إيطاليا بلاشك، إلى التموضع من جديد في إدارة الأزمة الليبية وعدم الاكتفاء بالدور الثانوي، الذي استنامت العامين الماضيين إليه بالمراهنة على الحكومة في طرابلس، ومساندتها، بسبب وجود مجمل منابع الطاقة التي تستغلها مؤسسة (ايني) الإيطالية في غرب البلاد. 

 الهدف الفرنسي هو السيطرة على مخزون الطاقة في خليج سرت، الذي لم يجر استكشافه بالكامل حتى الآن، ويمثل هدفا استراتيجيًا أوروبيًا كبيرًا

لا يمكن التوهم أن مؤتمر باريس، هو مبادرة فرنسية تمت دون استشارة وموافقة من المجتمع الدولي، وأنها تبدو إطاراً اتفاقيا ثانياً يتجاوز اتفاق الصخيرات الذي رعاه. ففرنسا لا يمكن أن تتصرف فرديا في قضية ذات طابع دولي كالقضية الليبية المحكومة بقرارات مجلس الأمن و بنده السابع. حضورها الدبلوماسي الموافق عليه أمريكيا، والمدعوم أوروبياً يأتي في إطار الضغط على الأطراف الليبية الأربعة التي ضمّها اللقاء من أجل التسريع للوصول إلى التوافقات التي ستنتهي بالانتخابات.

البرمجة العملية لسياسة التوافق الليبي
البرمجة العملية لسياسة التوافق الليبي ـ الليبي، هي مهمة الممثلية العليا للسياسة الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي، التي عكست مضمونها وآلياتها رئيستها، بأن تبتث في الأذهان الليبية ثلاث نقاط جوهرية في مسألة الانتخابات: توضيح صلاحيات جميع المؤسسات في وقت مناسب قبل إجراء الانتخابات حتى يعرف الليبيون ما سيصوتون له، ـ ضرورة اعتماد الدستور قبل الانتخابات لإضفاء الوضوح على العملية الانتخابية المتمثلة في انتخاب الليبيين لأول مرة رئيساً لهم. فبدون اعتماد الدستور، وتوضيح صلاحيات المؤسسات وتحديد علاقته بالسلطات الأخرى سيجد الرئيس المنتخب نفسه في فراغ قانوني خطير، ـ توفير البيئة الآمنة لإجراء الانتخابات، مع ضمان اعتراف الجميع بعد يوم من الانتخابات بنتائجها، فالسند الدستوري من أهم السنود التي تؤمن نتائج الانتخابات من الطعون والاعتراضات التي تكون نتائجها عكسية، كما في المرّات السابقة، و في أسوأ الأحوال أنها لن تقود البلاد إلى المضي قدمًا للديمقراطية. 

المبادرة الفرنسية انتهزت الغيابين الأميركي المنشغل بإبرام صفقات السلم في كوريا والحرب ضد إيران وتوابعها المتطرّفة في الشرق الأوسط

العدميات الليبية، ستحاول إلى آخر نفس، أن توضع العصا في عجلة الضغوطات التي ألمح إليها لقاء باريس. فالعدمية اللييية العائدة من المؤتمر، كمُسمّى القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية تتنصّل من مبدأ أساسي من المبادئ الثمانية لكسر جمود الأزمة التي قرّرها لقاء باريس، ببند إلغاء الأجسام الفوضوية كالحكومة الموازية فإقرار ميليشيا الجيش بإلغاء الحكومة المؤقتة غير المعترف بها دولياً يعنى الخضوع تحت سيطرة الحكومة التوافقية التي تشترط كما هو موجود في العالم الديمقراطي وشبهه خضوع العسكر للسلطة المدنية. فمسمّى الجيش حسب مسودة الدستور يقع بمادة محصنة تحت السلطة المدنية. لذلك جاء التلويح بالإعلان الدستوري للمجلس الانتقالي 2011 ، والأنكى بالاحتكام للدستور الفيدرالي 1951، الذي تلتصق برمزياته الباهتة الشيزوفرينا الانفصالية التي عبّر عن رؤيتها المتوّهمة بيان الهيئة القيادية لمفارقة التكتل الاتحادي الوطني و "الفيدرالي" عن الوسط بتاريخ 04 يونيو 2018.

قوة أمر واقع
جماعة الإخوان المسلمين الليبية، التي استعادت موضعة نفسها في رئاسة المجلس الأعلى للدولة، توافق على الجلوس مع قائد مسمّى الجيش في لقاء باريس كقوة أمر واقع وترفض الجلوس معه على اعتباره قوة شرعية، الشيزوفرينيا ذاتها قضم التفاحة مع الغريم ثم العودة إلى شيطنته. 

تخليص الإبريز من مؤتمر باريس الخطوات الإجرائية التي أعقبته، والتي تتأطر في عودة الاهتمام الدولي بالقضية الليبية في الجانب العسكري، وتعزيز الهدف لضرب الإرهاب الإسلامي في معاقله، في إطار الالتزام المتبادل لتعزيز المصالحة السياسية حسب صياغة الأمم المتحدة، وإحكام المراقبة الدولية على الأجهزة المالية الليبية للتوفق في تنسيق السياسة المالية والنقدية تمهيداً لانتخابات تلوح في الأفق، من خلالها سيكون بإمكان الشعب الليبي الإدلاء بصوته والتصويت للقادة الذين بمقدورهم أن يكونوا قيّمين جيدين على ثروة ليبيا.