Atwasat

في معركة الجهل

عبد الكافي المغربي الخميس 07 يونيو 2018, 12:14 مساء
عبد الكافي المغربي

لا نزال نرى الجهل قوة فتك اجتماعي مكينة، ونراه ركنًا يأوي إليه الاستبداد إذا تكلف للحكم، والجهل كذلك شيطانٌ أثيم يَعِد بالطمأنينة والسكون ويمني بحياة خالية من الهموم، في حين يريد الفقرَ والحقارةَ بالإنسان. الجهل متكشف لا يأرب إلى الاختفاء ومن عزاء أن جميعنا كان جاهلًا ساذجًا في مرحلة ما من حياته.

وفي واقع الأمر لي قصة مع الجهل مثيرة، ولربما أفردنا لها جزءًا كاملًا من سيرة ذاتية نكتبها إذا قُدِّر أن يكون لنا خطر، وإنما أقتصر هنا في الحديث عن الوكزة القاسمة التي وجهت لجهلي، وكان لرجل من آباء الشباب المثقف بغضتُه يومها بغضًا شديدًا، واليوم أجمع له حبًا وتقديرًا خالصين، يدٌ علي في تقليم مخالب جهلي ودفع جبروته. ولقد ظل النقد والازدراء المهذب لكتابة معينة الباعث لأصحاب الطموح على المثابرة.

كان الجهل عندي يبث سكينة بِتُّ اليوم أحن إليها، حنين المفتقر إلى الغنى، وكانت هذه السكينة التي أنْضجَتْها سنوات التعليم المتدهور تقدم لي حلولًا جاهزة جذابة لكل ما يضعه عقلي من تساؤلات أو ما تعرض لي من قرارات، أو تأملات في المستقبل، في المهنة، في الأسرة إلخ.

كان الجهل عندي يبث سكينة بِتُّ اليوم أحن إليها، حنين المفتقر إلى الغنى

ولما كنت قد نشأت كما ينشأ أبناء الأسر في ليبيا، في وسطٍ لا يروقه تلطيف الحياة بالفنون وبمخالطة الأنثى، ويذم الأسئلة الوجودية ولا يرضى عن الحقيقة الأبدية بديلًا، ويستسخف الرجاء في مستقبل أفضل للوطن، فقد تغلغل في نفسي إيمان صلب أخذ يناوئ الشهوة والرغبة في المعرفة معا. وكاد هذا الإيمان، إيمان النشأة، يتهشم بفعل أول علامات البلوغ في نظري: احتقار الآباء وتراث المجتمع، لولا أنه سريعًا ما تحول إلى إيمان متصلب، إيمان الاقتناع.

والحق أن نفسي كانت تهفو في ساعات إلى الإجابات فكنت أقدم لها ما يخدم توطيد العقيدة من مقالات ساذجة عن التوافق بين العلم والقرآن، أو منابر تغالب الإسلام على المسيحية من باب التبشير، وكنت جاهلًا أتم الجهل بأنه ليس ثمة مسيحية لنفند في الغرب، وأن المسيحية الشرقية مترسخة في صدور المسيحيين من قومنا بفعل قرون من الدفاع الروحي فلا تسلم إلا للإلحاد الغربي.

ولم يكن عسر المخاض حتى أغدو محسوبًا في المثقفين منطويًا على أسباب من قبيل حالتي الصحية التي تحول بيني وبين المطالعة بغير وسيط، وإن كانت هذه الحقيقة كثيرًا ما شجعت الانصراف عن تثقيف النفس، بقدرِ ما هو ناشئ من صعوبة إيجاد تعريف للجهل في المجتمع العربي المعاصر، واختلاط الألفاظ مع ما تقابلها من معانٍ متباينة. ومشكلة الجهل بالغة التعقيد، لأن الرجل العربي ما زال يخلط بين الجهل وحقبة تاريخية سابقة على الإسلام اصطلح عليها بالجاهلية.

أي أن الجهل عند رجل الدين والمتدين العربي كليهما هو غياب الحقيقة المطلقة عن العقل والضلال في فهم حِكمة الحياة والحوادث الآخرة. وثمة تشوش أبعد أثرًا يسود الطبقات التي تحسب نفسها متعلمة، بين الجهل كحالة من الخواء الفكري والأمية. ونعتقد أن تأثير التراث وأيضًا ما تعكسه العامية من ترجمة شائهة للجهل على الاستيعاب العربي من أخطر عناصر مشكلة الجهل.

المثقف العربي المعاصر في سلوكه يخدم الجهل أكثر مما يخدمه أعداء الشعب من طغاة وسراق

ليس ثمة شك عندي أن المثقف العربي المعاصر في سلوكه يخدم الجهل أكثر مما يخدمه أعداء الشعب من طغاة وسراق. ذلك أنه يشنع على المعرفة إطاحتَها بإيمان المثقف الضعيف أساسًا، وإفسادَها للخلق الشخصي الذي أنهكته مدافعة اللذات. وقد وجدتُ أن القراءة المتنوعة لم تنتزع مني إيمانيَ الملطف باليقين في مهمة المفكر وفي المثل الإنسانية العالية. وأرى اليومَ أن من تمسك بالأخلاق رغبًا في الجزاء أو رهبًا من العقاب ثم انفلت من زمامها إذ بدت له الأديان أهواءَ وخرافات لا يفترق عن رجل الدين اللاهث وراء أهوائه في شيء. وقصارى القول أن المجتمع العربي المكروب في حاجة إلى مفكر مخلص، يجمع بين التحرر والتدين، يقاوم شك اليوم بإيمان الأمس، ويقدم أنموذجًا للرجل المؤمن المستقيم المستنير.