Atwasat

الوسط والمعادلة الحرجة

محمد عقيلة العمامي الإثنين 04 يونيو 2018, 04:57 مساء
محمد عقيلة العمامي

كان خالد محمد خالد، من أبرز المفكرين الإسلاميين في ستينيات القرن الماضي، وكان الرئيس جمال عبد الناصر، يتابعه أول بأول لدرجة أن إصدارات كتبه تكون على مكتبه حال صدورها. 

العجيب أنه أجاب في زمن القومية العربية عن سؤال عنها فقال: "ليس هناك قومية عربية وإنما هناك قومية إسلامية.." وهذه إجابة تفقد المرء حريته عندما تقال في حضرة قائد هذه القومية، ومع ذلك لم يعاتبه الرئيس عبد الناصر مطلقا عن نبذه لمسألة المناداة بالقومية العربية. كان فكره يحوي خطين متوازيين قد يلتقيان إن دعت الضرورة إلى ذلك، ولعل كتابه "من هنا نبدأ" الذي تساءل فيه بوضوح ومباشرة وبأسلوب رشيق لم يسبقه إليه أحد في ذلك الوقت، قائلا: "بلادنا هذه لمن؟ وهى وطن من؟ أهي بلاد (الكهانة)، أم بلاد الإسلام الخالص والمستنير؟، أهي بلاد الأغنياء المترفين أم هي- أيضاً- بلاد الجياع المسحوقين؟ أهي بلاد التعصب ووطن الطائفية أم بلاد التسامح ووطن الجميع؟ أهي بلاد الرجال من دون النساء أم هي بلاد الفريقين؟". لقد أحسست أننا في ليبيا نحتاج للإجابة عن هذه الأسئلة، فقد تعيننا كثيرا لنحدد لنا مسارا نبتدئ منه.

 كان فكره يحوي خطين متوازيين قد يلتقيان إن دعت الضرورة إلى ذلك، ولعل كتابه "من هنا نبدأ" الذي تساءل فيه "بلادنا هذه لمن؟ وهى وطن من؟

ولعل خالد محمد خالد أول من نادى، في العصر الحديث، بقومية الحكم بدلا من الحكومة الدينية، لأن تطبيقها، في رأيه مجازفة تعرض نقاء الدين للكدر وسلامته للخطر، ورأى أن غاية أية حكومة هو تحقيق المنفعة الاجتماعية العامة، وخالد محمد خالد لا ينكر أن الحكومات الإسلامية الأولى استطاعت تحقيق هذه المنفعة؛ ومرجع ذلك إيمان قادتها وقوة شخصياتهم، ولا يرى أن ذلك يمكن أن يتوفر الآن، مشيرا إلى أن تماسك تلك الحكومات المؤمنة لم يلبث حتى وصل بالفعل إلى تنافس قطعت فيه الرقاب وأسال المسلم دم المسلم جهرا نهارا، بسبب فتنة الناس والحكم، وأن الحكومة الدينية لم تكن تستلهم مبادئها وسلوكها من كتاب الله ومن سنة الرسول صلوات الله وسلامه عليه، بل من قناعات الحاكمين وأهوائهم ومنافعهم الذاتية، ولأن "القرآن حمال أوجه، كما قال الإمام على، فقد استغله أصحاب المنافع، كل فريق منهم يستخدم السند نفسه في ضرب وقتل الخصوم".

كان خالد محمد خالد قد فرق بوضوح بين دعاة الدين والدين نفسه، وهو الأمر الذى تأسس عليه مفهوم الحاكمية، فالدين في مجمله حقائق خالدة وثابتة، أما الدعاة وأصحاب الحكومات فهم بشر يصيبون ويخطئون، مبرزا أن التوظيف السياسي للدين واستخدامه كأداة أيديولوجية تورطه في مسائل اجتماعية، فتتأسس طبقات تعلو عن غيرها. وظل يؤكد أن الإسلام دين لا دولة.

ولم يتوقف النقاش الفكري في مصر حول النهضة الإسلامية، فنادى بعض المفكرين بالوحدة الإسلامية، فظهر من المفكرين من ينادي بضرورة الاستعداد الدائم للأعداء بل ما يستطيعون من قوة، لدرجة أن بعضهم نوه إلى أفكار القوة التي نادى بها (بسمارك) و( نتشه) بحشدهما لقوى أمتهم مستخرجين منها أقوى ما فيها متخذين من شعار"لتجنى من الوجود احسنه عش دائما في خطر" أو ذلك الشعار الذي رفعة المفكرون الألمان الذي يقول "أفضل سياسة لألمانيا أن تكون علاقتها سيئة بجيرانها.."! 

منذ قيام ثورة يوليو سنة 1952 ارتفعت في مصر الكثير من الأفكار الدينية بعضها جيد وبعضها الآخر عجيب بسبب حماسة بعيدة عن واقع الحال وتحول واقع الحال من نقاش وحوار حول مفهوم الحاكمية إلى تصفيات وإعدامات واغتيالات تخبو وتشتعل بين حين وآخر بعضها بالتأكيد نتيجة فتن خارجية، ومؤامرات دولية، وإن كان جيشها القوى يقظا بدرجة تحقق معها الأمن الذي وعد الله في قرآنه الكريم. 

المؤلم أننا نسينا، في ليبيا، تماما لغة العقل، وأصبحنا على وجه الخصوص قوتين متواجهتين تتصرفان وكأن الله حرمنا من لغة الحوار

المؤلم أننا نسينا، في ليبيا، تماما لغة العقل، وأصبحنا على وجه الخصوص قوتين متواجهتين تتصرفان وكأن الله حرمنا من لغة الحوار وضاع مفهوم الوسط في الإسلام؛ وبدلا من أن يكون الحوار طريقنا للخروج من أزمتنا أوصلنا إلى منعطفات خطرة.

في سبعينيات القرن الماضي، كتب الدكتور محمد عبده يماني ورقة بعنوان: "المعادلة الحرجة في حياة الأمة الإسلامية اليوم" واليوم، أي بعد نصف قرن، أرى أنها واقع حالنا الآن! مما كتب الدكتور يماني أقتبس مقدمته: "أعني بالمعادلة الحرجة، في حياة الأمة الإسلامية، منطقة التوازن التي يجب أن تعيشها الأمة الإسلامية بين المثل القيمة الكريمة لهذا الدين الإسلامي، وبين الواقع المرير لهؤلاء المسلمين اليوم؛ بين الدين الذي جاء ليجعل هذه الأمة: أمة وسطا، وبين الواقع الذي أخذها إلى منحدرات الجهل والضياع والتخلف الذي نعيشه. أما المنطقة الحرجة فهي تدور حول مفهوم الآية الكريمة: "وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا".

لقد تركنا الوسط وتطرف بعضنا وزادت الهوة بيننا، في ليبيا، ولم يعد الموقف حرجا بل مأزقا، شهد العالم عليه بحضور 20 دولة من بعد انتهاء مؤتمر باريس بشأن ليبيا يوم 29/5/2018 بساعات قليلة.. فأي وسط يفخر فيه مسلم تعمد أنه لم يصافح فيه أخاه المسلم .. وأي وسط لا تُسمع فيه تحية الإسلام؟