Atwasat

منصور الكيخيا: شيخ قضايا الاختفاء القسري (2)

محمد المهدي الفرجاني الإثنين 04 يونيو 2018, 04:04 مساء
محمد المهدي الفرجاني

كانت بداية معرفتي لمنصور رشيد الكيخيا في جنيف؛ كنت على موعد مع الأديب صادق النيهوم في فندق( السافوي) مقابل محطة القطارات، وهو فندق يكاد يكون بلا نجوم. كان صادق يستقل الحافلة رقم (9) من مكان سكنه في منطقة (كولوني) إلى محطة القطارات. تأخر صادق عن موعده فقررت أن أتمشى إلى حين حضوره. عند مغادرتي الفندق وجدت منصور الكيخيا يسير أمامي ببطء في اتجاه شارع لوزان! هذا هو منصور الكيخيا المعارض الأبرز لنظام القذافي. تساءلت يا ترى كم رصد نظام القذافي للنيل منه أو الحصول عليه. الرجل يسير بمفرده بلا حراسة ولا مرافقين. أنا لم أر رجلا مطلوبا بشدة من قبل نظام بلده يتحرك بتسيب أمنى بهذه الصورة؛ كان يمكن تصفيته، ويمكن أيضا إختطافه. ابتعد عني الرجل وأنا وسط تساؤلاتي، عندها وصل صادق، وقبل أن أستقبله أشرت باتجاه منصور الذي لم يبتعد كثيرا، قائلا: "أنا لم أر رجلا مطلوبا في حجمه وهو بهذه الدرجة من إهمال أمنه الشخصي". سحبني النيهوم من مرفقي قائلا: "لم أره منذ فترة، هل لديك وقت لنتناول فنجانا من القهوة معه؟" وافقته.

السيد منصور لا يريد أن يتحدث عن المعارضة وظروفها، والسيد صادق لا يريد أن يتحدث عن أسباب منعه من التدريس في جامعة جنيف

في تلك الفترة، كنت أعاني من مرض تصلب الشرايين، وممنوعا من المشي لمسافات طويلة، وصادق كان قد فقد نصف الرئة بسبب المرض الخبيث، ونصحه الأطباء برياضة المشي، ولذلك كنت أعاني كثيرا من رفقته؛ أنا ممنوع من المشيء وأطباؤه نصحوه بالمشيء! كانت مرافقته في المشي مشروع عذاب بالنسبة لي، ولم أخبره أبدا بمرضي، فقد كنت أرى إن لم أشجعه سيتقاعس عن جزء من علاجه. كنا نسير معا، رغم أوجاعي وإجهادي، من أمام الفندق إلى جامعة جينيف حيث كان يحاضر في مادة (علم الأديان المقارن) إلى أن منعه القذافي من ذلك.

ذهبنا باتجاه منصور الذي لم يبتعد كثيرا بسبب بطء سيره وصلناه قبل أن يصل فندق (وورويك) في أول شارع لوزان، وتعانقا وكان لقاءا حار حميميا. قدمني صادق لمنصور قائلا: "أقدم لك ضابط أمن من جهاز الأمن الخارجي صديقي محمد المهدي، فهو بدوي بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى! لقد انتقد بشدة إهمالك لأمنك، فهو يعرفك من دون أن تعرفه!؟ ابتسم منصور مرحبا، وسحبنا لنتجه نحو فندق (وورويك)، فاقترحت أن نذهب إلى فندق (بريستول) القريب من بحيرة جنيف فهو أكثر أمنا". وجلسنا والقهوة تغمر رائحتها المكان، وتحدث صادق ومنصور في كل شيء إلاّ عن الوضع في ليبيا، أو معارضة منصور الكيخيا للنظام؛ صادق النيهوم محسوب على نظام القذافي، بشكل أو آخر، ويقولون أنه صديق القذافي الشخصي، يستمع إليه ويحترمه بشكل كبير، والكيخيا معارض له وبشكل كبير أيضا. وجدتها فرصة فقلت لهم: "أنا الخاسر الوحيد في هذه الجلسة، السيد منصور لا يريد أن يتحدث عن المعارضة وظروفها، والسيد صادق لا يريد أن يتحدث عن أسباب منعه من التدريس في جامعة جنيف، وأنا - كما ذكرصادق- ضابط مخابرات من واجبي أن أعرف، كلمه (هك والا هك) ولكن كيف أعرف وأنتما لم تتطرقا لأي موضوع منهما بكلمة واحدة.. ألست أنا الخاسر الوحيد هنا؟". انفجر الاثنان ضحكا وقال صادق: "صدقت..".

التفت نحوي منصور الكيخيا وسألني عما أعرفه عن المعارضة الليبية في الخارج. وقبل أن أجيبه تدخل صادق قائلا: "يا منصور قلت لك هذا الرجل بدوي، وصديقي على الرغم من أن حديثه معي مباشر ويفتقر إلى المجاملة، فهو يقذف حجارة وليس كلمات، ولكنها رغم ذلك صادقة وبريئة، وأتمنى أن يتسع صدرك لها، كما أرجو ألاّ تعتبرها صادرة من رجل يمثل نظام القذافي.." ثم صمت.

كثير من شرفاء الوطن من كل المواقع امتنعوا عن تأييدكم بسبب عدم معرفتهم لكم، لأنهم لم يجدوا إجابة أبدا لعدد من تساؤلاتهم

أجبت السيد منصور قائلا: "يا سيدي القذافي قال أنه وصل بالبندقية ولن يغادر إلاّ بالبندقية، ومن يأنس في نفسه الكفاءة فاليحاول! هنا عبر القذافي عن شمولية حكمه، الذي لا يسمح لأي كان أن يشاركه فيه. أنت تقول أنكم معارضة.. هذا حقكم أن تعارضوا نظام القذافي بالكيفية التي ترونها تحقق أهدافكم، ونحن كمخابرات من حقنا أن نراقب الصراع بينكما، ونرصده، ولكننا لسنا طرفا في الصراع! من حقكم أن تقبلوا نظام القذافي أو ترفضوه، ومن حق القذافي أن يقبل معارضتكم له أو يرفضها. إنه صراع تجاوز تبادل وجهات النظر.. أن تكون أو لا تكون..". هنا تدخل صادق قائلا لمنصور: "هل وصلتك القذيفة الأولى؟". واصلتُ حديثي مع منصور: "يصفكم القذافي ونظامه بالكلاب الضالة، وأنتم تصفونه بالديكتاتور. تبادلتم الاتهامات، وبمستوى (هابط) للغاية لايخدم قضية الوطن. كثير من شرفاء الوطن من كل المواقع امتنعوا عن تأييدكم بسبب عدم معرفتهم لكم، لأنهم لم يجدوا إجابة أبدا لعدد من تساؤلاتهم، أولا: من أنتم؟ إنكم في نظر الكثيرين أشخاص مغمورون. نعم البعض يعرف منصور الكيخيا والبعض الآخر يعرف محمد يوسف المقريف، أو محمود شمام، أوعبد المنعم الهوني، ونوري الكيخيا وإبراهيم صهد وعزالدين الغدامسي، وعمر النامي، والعديد من الأسماء الأخرى. وثانيا: لم تتحدثوا أبدا عن أهدافكم من المعارضة، البعض منكم يقول أنه لا يريد القذافي وأتباعه في الحكم، والبعض يريد دولة مدنية، يقبلها الناس بعد الاستفتاء على دستور يحدد شكل الدولة المقبلة.. أنتم يا سيد منصور لم تقدموا الإجابة على أهم سؤال: "ماذا بعد سقوط القذافي ونظامه؟". تأكد ياسيد منصور أن لعامة الشعب وجهة نظر حادة للغاية فيمن يدعي المعارضة.." وهنا تدخل صادق للمرة الثانية موجها حديثه لمنصور: " هل وصلت القذيفة الثانية.." ونظر إلى منصور مطولا ولكنه لم يعلق بشئ.