Atwasat

البعد السياسي في بعض أفكار المعتزلة

عمر أبو القاسم الككلي الأحد 03 يونيو 2018, 01:19 مساء
عمر أبو القاسم الككلي

يكاد يكون من المجمع عليه أن أقوى وأمتن فكر عقلاني تنويري في التاريخ الإسلامي، منذ نشوء الحركات الفكرية وحتى اللحظة الراهنة، هو تيار المعتزلة.

ورغم أنهم فرقة كلامية (لاهوتية)، بمعنى أنهم ينطلقون من مقدمات إيمانية أساسية منصوص عليها في القرآن، وأن الهدف هو الدفاع عن الدين، إلا أنهم كانوا أصحاب فكر حر مستقل إلى مدى بعيد.

كما أنه يعود الفضل إليهم في الانفتاح على فكر الآخر، بالذات الفكر اليوناني، واستخدامه، بالذات المنطق، في نقاشاتهم ومحاججاتهم وتمتين فكرهم، الأمر الذي قاد لاحقا إلى نشوء الفلسفة باعتبارها تنطلق، على الأقل نظريا، من مقدمات خارج الدين.

إلا أنهم سقطوا سقطة كبرى وجرّوا على أنفسهم الويلات عندما انخرط فريق منهم وتورط في ممارسات استبدادية معادية لحرية الفكر، وذلك حين تبنت مؤسسة الخلافة العباسية، زمن الخليفة المأمون الذي كان معتزليا، الاعتزال مذهبا رسميا للدولة وجرت، تبعا لذلك، محاولة فرضه على الفقهاء والمحدثين والقضاة.
 

ينبغي أن يكون الحاكم البشري مقيدا بدستور ومسؤولا عن أي انتهاك يصدر عنه لهذا الدستور

لكن هدف هذا المقال هو الكشف عن الباطن السياسي لنقطتين من الفكر المعتزلي ظاهرهما ديني، وهما تلك المتعلقة بأفعال العباد، والأخرى المرتبطة بعلاقة الله بالظلم، والنقطتان كلتاهما داخلتان في الأصل الثاني من أصول المعتزلة الخمسة التي هي: التوحيد، العدل، الوعد والوعيد، المنزلة بين المنزلتين، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

فبشأن أفعال العباد يرى المعتزلة أن الإنسان خالق أفعاله بمقتضى إرادته الحرة، وليس الله هو الذي يخلقها. ومن هنا كانت مسؤولية الإنسان على ما يأتيه من أفعال، سواء كانت خيرا أو شرا، وكان من العدل استحقاقه، تبعا لذلك، للثواب والعقاب.

على الخلفاء والحكام بحيث يكونون مسؤولين على ما يرتكبونه من أفعال ظالمة ومنتهكة لمباديء العدل العامة وما يأتونه من أعمال استبدادية

والبعد السياسي هنا، يتمثل في أن هذا يسري أيضا على الخلفاء والحكام بحيث يكونون مسؤولين على ما يرتكبونه من أفعال ظالمة ومنتهكة لمباديء العدل العامة وما يأتونه من أعمال استبدادية، ولا يجوز التعلل بأن الله هو الذي دفعهم إلى القيام بأفعال الظلم هذه وأن هذا ينفي المسؤولية الشخصية عنهم.

ترتبط بهذه النقطة نقطة علاقة الله بالظلم، فبما أن الله عادل، فإذن يستحيل صدور الظلم من جهته. إن استحالة صدور الظلم عن الله تحتمها طبيعته العادلة وأن غايته نفع العباد وإصلاح حالهم.

والبعد السياسي في هذه النقطة، يتمثل في أنه مادام الله متقيدا بطبيعته العادلة، أي أنه، بمعنى ما، محكوم بدستور ذاته، فينبغي، إذن، أن يكون الحاكم البشري مقيدا بدستور ومسؤولا عن أي انتهاك يصدر عنه لهذا الدستور.