Atwasat

اتفاق باريس وتحدّيات تنفيذه

نور الدين السيد الثلثي السبت 02 يونيو 2018, 06:01 مساء
نور الدين السيد الثلثي

المشاركون الليبيون في اجتماع باريس لهم قاعدةٌ تعوِّل عليهم وجمهور؛ ولهم دوافعُ وأهدافٌ وهواجس، بعضها وطنيٌّ وبعضها الآخر نابعٌ من انتماءاتهم ومصالحهم الخاصة. وما كان لهم أن يلتقوا لولا ضغوط دولٍ كبرى لها مصالحها ومنها المُناصر لهذا الطرف أو ذاك. قد يشكّل اتفاق باريس تقدماً إذا ما تغلّب أطرافه - من ليبيين وقوىً دولية - على ما سيكتنف تنفيذه من عقباتٍ وعراقيل من ذات المشاركين الليبيين والجماعات والمصالح التي تقف وراءهم. وتندرج تلك التحديات في جانبٍ هامٍّ منها تحت عنوانيْ الفساد والتشبّث بالسلطة. 

يطغى على مشهد العمل الحكومي والسياسي في ليبيا فسادٌ عظيم

يطغى على مشهد العمل الحكومي والسياسي في ليبيا فسادٌ عظيم، تـميَّز - بعد ما سُمِّيَ بالربيع العربي - بتغلغله كعنصرٍ جوهري، وليس كمجرّد ممارساتٍ عارضة، في دائرة صُنع السياسات والقرارات. والجديد هو كوْنه - عند أصحابه - أمراً طبيعياً، بعد الانتصار على النظام وإسقاط الدولة والقانون والانحدار إلى حروبٍ أهلية مستمرّة إلى اليوم.

يمارسون الفساد بمنطق الغنيمة الذي بات مسيطراً على سلوك المنتصرين والانتهازيين المرتبطين بهم؛ يرون في البلاد وشعبِها وثرواتها ممتلكاتِ قبيلةٍ هُزمت في غزوة، وكلَّ ما للمهزوم غنيمةً مستحَقَّة للغازي المنتصر. هكذا كانت الحرب منذ الجاهلية؛ غزواتٍ وصولاً إلى السّبيِ والغنيمة. 

كان من بين المشاركين في اجتماع باريس واجهاتٌ لجماعاتٍ متطرفةٍ؛ وكان من بينهم أيضاً أصحاب مصالحَ مرتبطةٍ بجماعاتٍ مسلحة تموّلها الدولة، وبأغنياءِ حربٍ يراكمون الغنائم عبر اختلاساتٍ واعتماداتٍ وتحويلاتٍ ومصروفاتٍ وهمية، في انتهاكاتٍ صارخةٍ للقانون وتحلّلٍ من واجبات المواطَنَة ومسؤوليات الوظيفة.

 من بين المشاركين في اجتماع باريس واجهاتٌ لجماعاتٍ متطرفةٍ وأيضاً أصحاب مصالحَ مرتبطةٍ بجماعاتٍ مسلحة تموّلها الدولة

ويأتي اتفاق باريس بخارطةٍ مؤدّاها انتخاباتٌ، قد تعني لِمن مَرَدُوا على النهب واطمأنّوا إليه نهايةَ عهدهم بالغنيمة وبدايةً للحساب. أولئك لن يسيروا نحو تلك النهاية ما استطاعوا، وكيفما سايروا الدعواتِ إلى إعلاء مصلحة الوطن ورفع المعاناة عن المحرومين والمقهورين والمسحوقين.

ويوجد من بين أطراف الاتفاق ومَن وراءهم من أحزابٍ وجماعاتٍ مسلّحةٍ ومصالحَ، من يدركون أن حظوظ فوزهم في أي انتخاباتٍ نزيهةٍ ستكون شبه منعدمة، وجماعاتٌ ترفض في قرارتها مبدأ الانتخاب وتداول السلطة من أساسه. يشير أداء أطراف الاتفاق فيما مضى إلى أن الطريق سيكون محفوفاً بمخاطر التسويف والتحجّج والمزايدة والمناكفة، ما سيؤدّي إلى إفشال هذا الاتفاق مثلما فشل غيره من محاولات الحلّ أمام التعنت والتعصب والمغالبة والتشبّث بالسلطة. هؤلاء موافقون شكلاً، ومقاومون في الحقيقة لأي حلٍّ يؤدّي إلى إزاحتهم عن مواقع السلطة وأدواتها. 

ليس في اتفاق باريس غيرُ لملمةِ شتاتٍ متنافرٍ، ما يفرّقه أكثر بكثيرٍ جداً مما يجمعه

طريق ليبيا إلى الاستقرار وبناء الدولة لا يزال طويلاً جداً. وليس في اتفاق باريس غيرُ لملمةِ شتاتٍ متنافرٍ، ما يفرّقه أكثر بكثيرٍ جداً مما يجمعه. ليس في هذا انتقاصٌ من الإنجاز الفرنسي الكبير قياساً إلى ما وصلت إليه البلاد من تشرذمٍ وانقسام، ولكن الخارطة المتّفَـق عليها ليست غيرَ خطواتٍ أولى إلى الأمام إذا ما قُدّر لها أن تنجح؛ وهي لن تنجح ما لم يولَدْ حَراكٌ شعبيٌّ فاعلٌ يرافقه توافقٌ دوليٌّ على أن خدمة مصالح تلك الدول ستكون في استقرار البلاد. ولتحقيق الاستقرار والأمن والبناء مقوّماتٌ لا تحتمل إغفالاً أو إرجاء. 

إن الغاية من كلّ جهدٍ للخروج من المحنة، هي حماية الوطن وبناء دولة القانون والمؤسسات والحريات العامة وكرامة الإنسان؛ والبداية لا بدّ أن تمرّ عبر حلِّ الجماعات المسلحة وجمع السلاح ومضاعفة الجهد لبناء الجيش الوطني الموحد كقوّةٍ حاميةٍ للوطن ورادعةٍ للخارجين عن القانون.

وفي الشِّـقّ الآخر من تلك البداية تبرز الأهمية الكبرى للمصالحة الوطنية، ومكافحة الفساد، وإفساح المجال للعمل السياسي في إطار قوانين ناظمة، من غير تمييزٍ أو إقصاءٍ لتيارٍ أو فكرٍ أو توجّهٍ مهما كان لونه. 

الوطنيون والقُوى الوطنية - بعيداً عن المغامرين والمتاجرين والمتجوّلين - هم وحدَهم مَن يُضمّد الجراح وينقذ الأهل ويبني الوطن. أما القوى الأجنبية التي ’تساعدنا‘ اليوم، ومعها عملاء وأغنياء حربٍ غيرُ خافين، فهي ذاتها التي هبّت ذات ربيعٍ ’لحماية المدنيّين‘، ومن قبلُ جاءت سافرةً كقوى استعمارٍ وإبادةٍ وسرقة مقدّرات.