Atwasat

هابيتوس العودة الفلسطيني

نور الدين خليفة النمر الأحد 27 مايو 2018, 01:53 مساء
نور الدين خليفة النمر

مافكرتُ يوما أن أكتب في السياسة العربية وقضيّتها العودة إلى فلسطين، التي فُعل فيها عربياً ساسة وقادة، مالم يسرده هوميروس في إلياذته من أفاعيل عوليس، وُسرد فيها نثرأ ونظماً ما روته شهرزاد في ألف ليلة وليلة شهريار، وماقيل فيها خطابة ودُبج من مقالات صحافة ومازال ماقاله وسطرّه الإمام مالك بن أنس في الخمر. ولكننا بما أننا كتبنا الأسبوع الماضي في تذكار مايو 1968، وطليعياته الثلاث، صار من اللازم بكيفية الكتابة التي تتعلّق بأنتربولوجيا الثقافة أن نكتب في طلع نكبتنا الفلسطينية، التي عممتها الربيعيات الثورية بالإحباطية والليبية بالانقسامية لتصير نكبتنا العربية. فيأتى تذكارها هذا العام مرتبطاً للأسف بمذبحة، غير مسببة بعلّة من علل الدولة الإسرائيلية التي ألفناها، وما انفكت منذ إنشائها مايو 1948 تلوّح بها في وجه المجتمع الدولي. ففي يوم واحد، أو يومين، قتلت القوات الإسرائيلية المحتشدة على التلال المشرفة على الحدود بين قطاع غزة والدولة العبرية ستين فلسطينياً وجرحت أكثر من ألفين. كان كل هؤلاء ضحايا التذكار السبعين للنكبة ضمن عداد عشرات آلاف المشاركين في مسيرات العودة السلمية. التعبير الفلسطيني عن التشبث بأرض الأباء والأجداد التاريخية. وكانت مسيرات العودة الكبرى قد بدأت في ذكرى يوم الأرض، في 30 مارس الماضي بمشاركة قرابة مئتي ألف فلسطيني في خمس مظاهرات كبرى (شرق رفح، وخزاعة في خان يونس، والبريج في الوسطى، والشجاعية بغزة، وجباليا شمال القطاع) تحولت إلى مخيمات واعتصامات مفتوحة على مقربة من السياج الحدودي الفاصل بين قطاع غزة والأراضي المحتلة منذ عام 1948.

واحدة من الأساطير في السردية الصهيونية العنيدة عن النكبة كانت تتحدث عن رحيل الفلسطينيين كاستجابة للدعوات الموجهة إليهم من الحكام والمسؤولين العرب كي يغادروا تمهيداً لتدخل الجيوش العربية. بينما السردية الفلسطينة المضادة التي ما انفك يشدّد عليهاالمؤرخ الفلسطيني الرصين وليد الخالدي تقول: أنه بالعودة إلى تاريخ النكبة كحدث نعلم أنه ليس دخول الجيوش العربية الحرب عام 1948 هو ما سبّب نزوح الفلسطينيين عن أرضهم وبيوتهم، بل العكس هو الصحيح، أي أن النزوح الذي بدأ قبيل الإعلان عن نشأة دولة إسرائيل هو الذي استدعى دخول العرب الحرب وخسارتهم لها. ومذكرة الأمين العام لجامعة الدول العربية التي بعث بها إلى الأمين العام للأمم المتحدة تؤكد رؤية الخالدي فتشير إلى أن سبباً من الأسباب التي حملت الحكومات العربية على التدخل العسكري: منع انتشار الاضطراب والفوضى في فلسطين إلى البلاد العربية المجاورة.

لتأكيد الطرح نقدّم مقتطفا من رسالة أوردها هشام شرابي في كتابه "الجمر والرماد"وصلت إليه بعد شهرين من قدومه إلى أميركا للدراسة تؤرخ للحدث المستحيل البادي من أبريل 1948، وحتى مايو بسقوط مدينته عكا، وحملت الرسالة إيحاءً بأن المعنويات مازالت قوية، فقد قدمت للدفاع عن المدينة فرقة من جيش الإنقاذ بقيادة أديب الشيشكلي، فتحمس الناس وأخذ اللاجئون إليها من حيفا يأملون في العودة إلى بيوتهم. ولكن سرعان ما انسحب الشيشكلي بفرقته، بناء على أوامر القيادة، فعم الناس اليأس والقنوط ثانية. استغاث به الأهالي ولكن وعود الشيشكلي بإرسال العون والإمدادات لم تتحقق. في هذه الأثناء وقعت معركة بين قواته والقوات اليهودية بالقرب من صفد، فأرسل الشيشكلي إلى عكا يطلب العون، فهرع إلى نجدته مسلحو البلدة في السيارات المتبقيّة. خسارة المعركة دفعت الشيشكلي إلى الانسحاب بما تبقى من فرقته عبر الحدود اللبنانية تاركاً الجليل الغربي بكامله تحت رحمة اليهود. بعد هذه الرسالة تابع هشام شرابي من شيكاغوا محل دراسته عبر صحيفة النيويورك تايمز من أواخر فبراير حتى 2 مايو سقوط بلدات ومدن فلسطين عدا حيفا القدس، ويافا. ومن أبريل كان قد خامره إحساس واضح بأن اليهود في وضع هجومي، إزاء التقهقرات العربية التي لم تبدُ له مجرد تراجعات تكتيكية. القوات اليهودية تملك مصفحات ومدافع ومعركتها تقودها إدارة عسكرية منظمة، في المقابل بدا الوضع العربي مفككاً وفوضويا تشقه صراعات قياداته التقليدية، وجيش الإنقاذ يقاتل عشوائيا، دون تنسيق أو تعاون بين قادته ومنهم فوزي القاوقجي الذي كتب في مذكراته أنه كان ينقصه الرجال والذخيرة، ومواصلاته في فوضى دائمة، ومن دمشق مقرّ القيادة لم تكن تأتيه إلا الوعود فاضطر إلي الانسحاب من موقع إلى آخر .

لم ينسَ شرابي وهو يغادر عكا إلى القدس في طريقه إلى أميركا كلمات صديقه كاتب الرسالة وهو يودعه: أنه عندما سيرجع بعد عامين كما عقد نيّته تكون فلسطين قد تحرّرت. فالدول العربية كلها مع الفلسطينيين وجيش الإنقاذ قادر على احتلال ـ وربما يعني استعادة ـ فلسطين بمفرده!. كل هذه الأمال تعصف بها في كتاب "الجمر والرماد" الصورة المذكرّة بضياع الأندلس التي يرسمها شرابي لجدّه غير العائد إلى عكا فقد توفي بعد فقدانه لرشده وذاكرته سنة 1950 وكان كما أخبروه في الرسائل العائلية أنه حاول حتى يوم وفاته بين حين وآخر وفي جيبه مفتاح بيته التسلل من سكن أقربائه الذي لجأ إليه في بيروت إلى بلدة عكا في فلسطين.

هل يمكننا مفهومياً عَدُّ قرار العودة " habitus الهابيتوس" بالمعنى الذي صاغه عالم الاجتماع بيير بورديو، أي نظام من الاستعدادات في الإدراك والتقييم والعمل، يسمح للفرد والمجموع بالقيام بعمليات على صلة بالمعرفة العَمَلية. وبأن يولّد استراتيجيات ملائمة ومتجددة على الدوام، بصورة بوصلة خفية في وعينا، نهتدي من خلالها إلى إدراك العالم الذي يحيط بنا وتقييمه واختيار الإجابة الأكثر ملاءمة عمّ يطرحه علينا من مواقف عملانية، في السياق الاجتماعي. وهو مايعتبره بورديو المكوِّن الأول للهابيتوس وبما يماثله في المجتمعيات العربية بما جعلنا نتآلف مع ارتياب نعتبره فطريا من الجار، أو تآلف أخوي معه يحقّقه المثل القائل الجار قبل الدار، أو مع الحذر الفوري من الآخر الدخيل الآتي من خارج القبيلة أو الجماعة، أنا وابن عمي على الغريب في مقابل الانفتاح على الآخر وثقافته، أيًا يكن هذا الآخر، في المجال المديني وهو مايتحقق نادراً في مجتمعياتنا. أو في اجتماعنا السياسي العربي الأدعاء المتبجح بالقضاء على العدو، وهو ماحصدنا زرع شوكه الدامي لخمسة عقود أو التطبيع معه وهو مانجني ثماره المُرّة لثلاثة عقود، ارتباكات وانشقاقات في الصف العربي بل في النسيج الفلسطيني المُدّمى الذي أسفرت جراحه ونزفه مسيرات العودة من شريط غزّة إلى صراط جحيم الموت.

عام 1974 التحقت بآداب بنغازي، درّسنا التاريخ العربي الحديث الفلسطيني ـ الأميركي نافذ نزّال القادم إلى ليبيا من أميركا ذاك العام في مشروع استعادة العقول العربية المهاجرة. من ضمن الكتب التي قرّرها علينا كان كتاب هشام شرابي أستاذ الفكر السياسي بجامعة جورج تاون "المثقفون العرب والغرب" الصادرة ترجمته ذلك العام، في المحاضرة لوّح الأستاذ أيضاً بعدد من مجلة الثقافة العربية الليبية التي ترأسها الكاتب الليبي أحمد إبراهيم الفقيه ونشرت مقالة شرابي في البنية الأبوية البطرياركية التي ستكون المحور الذي ستدور عليه كتبه التالية. هاجس العودة كان محوراً فكرياً لافتاً في كتابيه السرد ـ ذاتيين "الجمر والرماد 1978" و"الرحلة الأخيرة 1988" مسيرة العودة التي ستكون مصير أستاذنا الشاب لاصطدامه بالدكتاتورية الليبية، وبعد أشهر إلى جامعة بيرزيت الفلسطينية في الضفة الغريبة حيث سيختفي أمام ناظريىّ اسم نافذ نزّال من المشهدية الثقافية العربية.. هذا المقال في سبعينية النكبة الفلسطينية مُهدى لذكراه .