Atwasat

استنساخ!

صالح الحاراتي الخميس 24 مايو 2018, 12:21 مساء
صالح الحاراتي

الاستنساخ هو الحصول على مخلوقات كاملة وتكون متطابقة جينياً مع المخلوق الأصلي الذي أخذت منه الخلايا ويقال إن المشكلة تبقى في أن الاستنساخ قد يسبب ولادة (أجنة مشوهة) (أو قصيرة العمر).

والاستنساخ كان حدثا علميا باهرا عندما نجح علماء في اسكوتلندا في استنساخ النعجة دوللى سنة1996م… ثم توالت البحوث العلمية حتى نجح باحثون صينيون مؤخرا في يناير 2018 من استنساخ اثنين من قردة المكاك بنفس الطريقة التي استُنسخت بها النعجة دوللي.

ذلك ما يخص استنساخ الخلايا والحيوان، ولكن استنساخ البشر بيولوجيا لم يتأتَ بعد نظرا لمعوقات علمية ولمعايير أخلاقية أيضا.

ولكن إذا كان أهل الفرنجة يتباهون بأن علماءهم يستنسخون فنحن أيضا لنا القدرة على الاستنساخ، ولكن بمظهر آخر وطريقة مختلفة حيث تقوم بعض مجتمعاتنا باستنساخ نماذج بشرية متطابقة في السلوك والأفعال دونما حاجة لأبحاث بيولوجية معملية.

نعم يحدث ذلك الاستنساخ في مجتمعاتنا لأن عقلها الجمعي لا زال يستسيغ إعادة تدوير وتكرار مسألة "حكم الفرد" و"الزعيم البطل" لتستمر حياتنا كمن يدور في حلقة مفرغة، حيث يتم التسويق بحماس لما يقولون بأنه استبداد صالح حتى يخيل للمرء أن مايسوقون له يمكنني وبحكم المواصفات التي يقدمونها يمكن لنا أن نسمي العملية بـ استنساخ "دكتاتور مستأنس"!! وتلك ورب الكعبة هي المؤامرة الحقيقية.

وهنا لا يغيب علينا أن للاستئناس معاني كثيرة ولكن لنتناول بعضها المناسب لهذا المقام…. يستأنس، استئناسًا، فهو مُستأنِس، والمفعول مُستأنَس إليه، استأنس الحيوانُ أي صار ‏"أليفًا وذهبت عنه وحشيَّته". واستأنس إلى ‏ فلان أنِس به؛ سكن إليه وذهبت به وحشتُه، ألِفه ‏ واطمأنّ إليه... استأنس برأيه: أخذ رأيَه، ‏ استأنس لفلان: وجد إيناسًا فأطال الجلوسَ معه ليصغي ويتسمَّع. وأكتفي هنا لأن سؤالا ملحا على عقلي يقول.. كيف يترافق الأنس والألفة مع الدكتاتورية؟

لا أعرف..!! ولكن يبدو أنه كلما زادت معاناة الناس برز من يبرر للدكتاتورية ويذكر الناس بالأمن والأمان الوهمي الذي ساد زمنا كان الناس فيه تحت سلطة القوة القاهرة.. ويتناسون اليوم - تحت ضغط واقع الفوضى - مآسي وكوارث الدكتاتورية التي لا زالت تفعل فعلها السلبي حتى اليوم.

هناك من يقول تعبيرا مخففا ويرفق لفظا آخر مثل (دكتاتور مؤقت) و (دكتاتور عاقل) و (دكتاتور حكيم) و (عادل مستبد) وما إلى ذلك من مسميات متناقضة ووهمية.. فقلت تهكما وسخرية لمحدثي لا زلت على مقترحي؛ استنسخوا لنا.. دكتاتورا مستأنسا!!

العجيب والمضحك أن الأمر لم يقف عند هذا الحد إذ اعتقد البعض أني جاد فيما أقول و طلب مني موافاته بخصائصه وما هي مواصفات الجودة حتى يستطيع تسويق ودعم فكرة أن دكتاتورنا مستأنس فعلا!!.

للأسف كل يوم يمضي يؤكد لنا أن كثيرا من العقول لا زالت أسيرة نهج الاستبداد، بل هو مضمون وحيد للثقافة السائدة، ولا زال التفريق وإزالة الحدود بين "الضجيج والكلام أمرا في غاية الصعوبة"، ونكتشف أننا ﻻ زلنا نعيش ثقافة الاستبداد "الجماهيرية" بكل تمظهراتها، أي ثقافة الخواء العقلي والتكرار الببغاوي لشعارات زائفة، مع اختفاء المعنى، ثقافة تستلهم عصا الراعي وروح القطيع... بالرغم من كارثية حصادنا من المستبدين التي تمثلت فى دماء تنزف منذ قرون على خلافات سياسية متلبسة بالدين وملتبسة بالقبلية وأوطاننا تتلاشي أمام أعيننا.

نعم، مرحلة فوضى ما بعد الثورات تحتاج إلى شيء من الحزم ولكنها عصا القانون الذي يطبق على الجميع؛عصا القرار السياسي في الوقت المناسب، عصا مؤسسات الدولة من جيش وشرطة وأمن إضافة إلى جهود يجب أن تبذل لأجل ترسيخ قناعة مجتمعية بأهمية القبول بالتداول السلمي على السلطة والتخلص من "طريقة تفكير مشوه تمثل في عقلية الغلبة"... إذ العقول لا زالت تستحضر النموذج الدكتاتوري المطبوع في الذاكرة والذي لم نعرف نموذجا غيره، وﻻ زلنا نؤمن بأنه لا مكان للآخر عندنا، ولا مكان للقبول بآخر مختلف عنا دينيا وفكريا، لا زلنا لم نتيقن بعد من جوهرية مبدأ تداول السلطة سلميا.. وفي داخلنا تنمو وتتضخم الأنا، ويتعمق شعور الفرد المسؤول ويتحول إلى دكتاتور يؤمن بأنه جاء ملهما وبعناية إلهية لنشر ما يراه صوابا حتى وإن كان ذلك على حساب أرواح ودماء الآخرين!

السؤال: ما الذي جلبه لنا ذلك النموذج عبر تاريخنا غير الدمار والفساد والجهل وكراهية العالم لنا.

* بعد هذه السطور عقلي يحدثني قائلا..عندما يشح رغيف الخبز وتعم الفوضى والفساد ربما هناك ضرورة
لـ "دكتاتور مستأنس" فأنا أحد مواطني هذه البلاد!!!