Atwasat

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والنائب الليبي زياد دغيم

أحمد معيوف الأربعاء 23 مايو 2018, 05:50 مساء
أحمد معيوف

في إطار التحقيق في التدخل الروسي بالانتخابات الرئاسية الأمريكية، كلفت وزارة العدل الأمريكية المحقق الخاص روبرت مولر الذي شغل منصب مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي خلال فترة حكم بوش الإبن وأوباما الذي ثبته في منصبه حتى نهاية ولايته، وقد قام فعلا بفتح تحقيق في إمكانية أن يكون ترامب قد عرقل سير العدالة بمحاولته التأثير على التحقيق الأول الذي قاده المدير المقال لمكتب التحقيقات الفيدرالي جيمس كومي، حيث ظهرت مزاعم أن ترامب حاول عرقلة سير التحقيقات في هذه القضية عن طريق محاولاته الضغط على جيمس كومي وإجباره على التخلي عن التحقيق الذي كان يقوم به المكتب بخصوص علاقة مستشار الأمن القومي السابق مايكل فلين بروسيا.

- تناول الحاسي ثلاث قضايا من قضايا الفساد تمس تورط مسؤولين ليبين في أعلى سلم القيادة، بدرجة وزراء ونواب

وفي تقرير صحفي مطلع، أشار مولر إلى إمكانية إصدار مذكرة استدعاء للرئيس خلال محادثاته مع محامي ترامب في شهر مارس الماضي، وهي أمر قضائي يجبر الشاهد على المثول أمام المحكمة للإدلاء بشهادته.

وجاء ذلك بعد إصرار محاميّ ترامب خلال اللقاء معهم على أن الرئيس لا يمكن أن يخضع تحت أي ظرف كان إلى استجواب من محققين فيدراليين في موضوع التحقيق في مزاعم التواطؤ الروسي، ولفت التقرير النظر إلى أن فريق المحقق مولر رد بالإشارة إلى أنهم سيصدرون مذكرة استدعاء إذا رفض ترامب التحدث إليهم، لكنهم وافقوا على تزويد محامي الرئيس بمزيد من المعلومات المحددة بشأن الأسئلة التي يرغبون توجيهها إلى الرئيس وكان اعتراض محامي ترامب على امتثال الرئيس للمساءلة هو إفساد لعمل رئيس الولايات المتحدة.

وفي مقابلة ضمن أخبار البي بي سي مع عميد بلدية نيويورك السابق رودي جولياني الذي يشغل الآن منصب محامي الرئيس ترامب، صرح جولياني بأنه من الممكن منع حضور الرئيس للمساءلة إذا أصر مولر على استدعائه استنادا إلى التعديل الخامس للدستور الأمريكي. المفارقة أن الرئيس ترامب أبدى استعداده لمقابلة مولر بخصوص التحقيقات التي يجريها، رغم حقه الدستوري في الامتناع.

هذا الأسبوع، كانت أهم القضايا التي شغلت الرأي العام الليبي هي تصريحات السيد عادل الحاسي على قناة ليبيا 218، ومفاد تصريحه يتناول الفساد الذي يمارس في السفارات والقنصليات الليبية في الخارج. وقد تناول الحاسي ثلاث قضايا من قضايا الفساد تمس تورط مسؤولين ليبين في أعلى سلم القيادة، بدرجة وزراء ونواب. هذه القضايا الثلاث التي أثارها شملت بيع عقارات الدولة الليبية بالخارج لصالح أفراد متنفدين، ومنح جنسيات ليبية للأجانب، ومنح مرتبات بالمخالفة.

ولعل القضية الأخيرة كانت محور جدل كبير لاشتراك مجموعة من المسؤولين فيها شملت وزير الخارجية محمد سيالة، ووزير التعليم دكتور عثمان عبد الجليل، ووزير المالية أسامة حماد، ونائب رئيس المجلس الرئاسي الدكتور فتحي المجبري، والنائب زياد دغيم والد المنتفع من الإجراء.

- ففي حالة الرئيس الأمريكي بين استعداده للقاء المحقق الخاص رغم الحصانة التي يوفرها له الدستور، بينما في حالة السيد دغيم فهو يستهين بكل صراحة بالقضاء الليبي

وفي حين لم يصدر أي تصريح عن وزير الخارجية أو وزير المالية حول هذا الموضوع، كذلك لم ترد أي ردود عن المجبري بالخصوص، والذي يتهم أيضا في قضايا أخرى أهمها تدخلاته في شؤون الشركة الليبية للاستثمارات الخارجية. صرح وزير التعليم الدكتور عثمان عبد الجليل بأنه فعلا وقع المستند الخاص بمرتبات أ.د. صالح سالم محمد المتراكمة وكل مزاياه في رسالته الموجهة إلى وزير المالية، واعتبر أن اتهامات الحاسي لا صلة لها بالواقع، مشيرا بأن إحالة رسالة إلى وزارة المالية لصرف مرتب والد دغيم جاء باعتباره موظفا يتبع وزارة التعليم وهو إجراء روتيني يتم إجراؤه بشكل يومي. كما دعا عبد الجليل، الحاسي إلى التقدم إلى النائب العام لرفع قضية ضد من هم متهمون بملفات فساد شاملا نفسه، ومؤكدا بأنه متحمل مسؤولية أية إجراءات إدارية مخالفة.

ما يثير الشبهات، بالنسبة لي على أقل تقدير، أمران هما:
أولا- لماذا لا يحمل اسم المنتفع لقبه، فقد ورد في الرسالة أ.د. صالح سالم محمد، والمعروف أن كل المعاملات الإدارية لا بد وأن تشتمل على لقب المعني، فما هو تفسير سقوط لقب المعني من الرسالة. 
الأمر الثاني - هل من المتعارف عليه أن تتم تصفيات مستحقات موظف عادي لا يحمل صفة مسؤول كبير عن طريق مراسلات بين الوزراء؟

بما أن موضوع الأستاذ صالح سالم محمد هو والد دغيم، فالمتهم بالدرجة الأولى سيكون إمكانيات تدخل دغيم من خلال علاقاته المتينة بدوائر القرارت في ليبيا من برلمان ومجلس دولة ورئاسي، وربما حتى الجيش والحكومة المؤقته، فقد كشف ظهوره الكثيف وحواراته عن مقدار علاقاته المتشابكة، والتي يمكن استثمارها جيدا.

في مجال رده ودحضه لاتهامات الحاسي، نفى زياد دغيم وجود أو ممارسة أي ضغوط على أي شخص بخصوص مرتبات والده الموظف بالقنصلية الليبية في مدينة الإسكندرية بمصر. وقال في إحدى تصريحاته إن علاقاته بالأشخاص المتهمين في هذا الموضوع، ويقصد وزراء الوفاق ربما، ليست جيدة، بل ربما تتسم بالنفور من جانبهم، بسبب موقفه السياسي، لينفي بذلك إمكانية أن يكونوا قد مارسوا ضغوطا لصالح مرتبات والده. كما أشار إلى قرار اللجنة الشعبية العامة بخصوص تقاعد أعضاء هيئة التدريس.

طبعا هذا النفي لا شك له وجاهته، ومن الطبيعي أن يدافع عن الأمر إن كان للاتهام مصداقية أو كان اتهاما كيديا، لكن الذي لا يقبل دحضا اعتبار أن السيد الحاسي مفصولا فعلاً، وأن اتهاماته كانت بسبب غضبه، وبالتالي استهدف في اتهامه شخصيات يعتقد أنها وراء إقالته. وقد يفهم هذا الأمر على أنه بالفعل توجد شخصيات تسعى لإقالة الحاسي.

أيضا اتهام السيد دغيم أن القناة التي أثارت الموضوع واستقبلت الحاسي هي ممولة من دولة خليجية تريد السيطرة على برقة. واعتبر ان توجهه الفيدرالي وانتقاده للمركزية وعسكرة الدولة والميليشيات سبب في زيادة خصومه والمتربصين به، وهذا الدفاع لا يتجاوز أن يكون تبريرا لا أكثر.

لا شك أن من حق دغيم أن يدافع عن موقفه، لكن اللافت في السيد دغيم استهانته بالموضوع جملة وتفصيلا، واستهانته كذلك بما يترتب عليه هذا الاتهام. فقد سخر من مطالبة عدد من النواب برفع الحصانة عنه والتحقيق معه حول هذه الاتهامات، كذلك استهانته بالنائب العام حيث ورد على لسانه القول "هل يوجد لدينا نائب عام بمناطق الشرعية أم يقصدون النائب العام المهدد بمدينة المليشيات"، ويتهم أيضا النواب الموقعين على البيان الذي يطالب برفع الحصانة والتحقيق معه بأنهم مدانين أيضا في تعيين أقاربهم بالاستثمارات والسفارات والوزارات وجهاز الإمداد ومفوضية الانتخابات وبأنهم سماسرة الاعتمادات.

ولعل، في تقديري، أن أسوأ ما ورد في تصريحات دغيم أنه اعتبر مطالبة بعض النواب تصب في ما يراه "صراع جهوي" على اعتبار أن النواب المطالبين بإسقاط الحصانة عنه ينتمي جلهم إلى المنطقة الغربية، وتناسى أن الحاسي الذي فضح تلك الأعمال هو من الشرق.

المتهم بريء حتي تتبث إدانته، هذه قاعدة قانونية وأخلاقية أيضا، ولا تسمح لنا بإدانته. لكن، بالنظر إلى تصريحاته ودفاعه، فهي جميعا تجعل من إمكانية تورطه واردة، ويدعم هذا الاعتقاد إخفاء لقب العائلة عن اسم أبيه. لكن، ما يثير القلق هو تعامل المسؤولين مع القضاء. ففي حالة الرئيس الأمريكي بين استعداده للقاء المحقق الخاص في القضية التي اتهم فيه رغم الحصانة التي يوفرها له الدستور الأمريكي في تعديله الخامس كما ورد أعلاه، بينما في حالة السيد دغيم فهو يستهين بكل صراحة بالقضاء الليبي ويعتبره غير أهل لمقاضاته، ويتهم زملاءه وهو لا شك محق إلا أنه ليس في صالحه، إذ يعزز تورطه أسوة بهم، ويلجأ إلى اتهام النواب بالصراع الجهوي لينال بذلك تعاطف الفيدراليين والجهويين على حساب رابطة الوطن الذي انتخب للدفاع عنه وليس لهدمه.
والله من وراء القصد