Atwasat

الصومال وليبيا توأمان في التاريخ المعاصر

سالم العوكلي الإثنين 21 مايو 2018, 01:14 مساء
سالم العوكلي

في كتاب مذكراته "بين الإرادة والأمل : ذكريات وتجارب حياتي" للدكتور علي أحمد عتيقة. وعندما كان في منصب: الأمين العام المساعد والمدير الإقليمي للمكتب العربي في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وضمن الوفد الذي شكله الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة إلى الصومال 1992 ، لمعرفة حجم أبعاد الكارثة التي حلت بالصومال وتقديم الاقتراحات والتوصيات اللازمة، يرد: "ربما كانت أصعب قضية تواجهني يوميا في عملي الجديد ولم أستطع المساهمة في حلها تلك الأوضاع المأساوية الكارثية في الصومال... كان الصومال يعاني من انهيار كامل في بنيته السياسية، وتفكك في وحدته الوطنية، وانفلاتات في ظروفه الأمنية. انهار نظام الحكم الذي كان يقوده رئيسه زياد بري بقبضة حديدية منذ أن استولى على السلطة عن طريق انقلاب عسكري أطاح بحكومة شرعية مدنية في سبتمبر 1969م.

كان الصومال قبل الاستقلال يخضع لحكم الانتداب (البريطاني) إثر هزيمة إيطاليا بعد أن تقاسمت استعماره مع بريطانيا لأكثر من نصف قرن...... يبدو أن كل حكم دكتاتوري ظالم لابد أن يعتمد في بقائه على التفرقة بين مواطنيه لكي تتحكم فئة قليلة في حياة الناس بشتى أساليب البطش والتخويف مع السيطرة على جميع سبل المعيشة وكل مصادر المعرفة. يمكن لهذا الحكم أن يستمر فترة طويلة إذا توفرت له الأموال والدعم الخارجي ولكنه في غالب الأحيان ينتهي بكارثة تؤدي إلى اندلاع العنف بين الناس، وانتشار روح الانتقام، وتصفية الحسابات مما يساعد على تجزئة الوطن الواحد وجعله عرضة للتدخل الأجنبي.".

هذا التشابه حد التطابق تقريبا بين ما مرت به الصومال وليبيا في التاريخ الحديث، يجعل ممن صرحوا ــ منذ انحرف التغيير الذي حدث في ليبيا بعد سقوط النظام، بأن ليبيا ليست الصومال ــ متفائلين لأسباب جغرافية، متناسين لعبة التاريخ الذي يجيد استنساخ التجارب وكأنه يذاكر دروسه. ولكن ما الذي يجعل ليبيا توأما تاريخيا للصومال؟. احتلال إيطالي طرده الإنجليز ــ انتداب بريطاني ـــ استقلال ــ انقلاب عسكري في سبتمبر 1969 أطاح بالحكومة الشرعية ــ عقود من الاستبداد ــ انهيار ونهاية نظام عسكري مستبد ـــ انقسامات ونزاعات أهلية وانفلات أمني وكارثة اقتصادية، ثم دولة فاشلة.

كل هذا التشابه حدث ولا يمكننا تغييره، لكن لا نملك الآن سلطة إلا على المستقبل وإمكانية تعديل المصير، وبأيدينا فقط من الممكن أن نجنب ليبيا هذا القدر التاريخي الذي أتيح لنا أن نعرف مآلاته الوخيمة في تجربة ليست بعيدة.

يذكر عتيقة أن بعثة الأمم المتحدة كانت تسعى لحل أزمة الصومال بطريقتها، ورغم بطء هذه الجهود نتيجة تعنت الأطراف، إلا أنها كانت في الطريق الصحيح، لكن التدخل الأمريكي العسكري الذي طالب به زعيم الشمال، عيديد، أجهض هذه الجهود، وهو ما جعل الحل في الصومال صعبا حتى الآن.

وبالتالي إذا أردنا أن نفترق تاريخيا عن هذا التشابه علينا أن نستفيد من تلك الأخطاء التي جعلت الصومال دولة فاشلة وعلى مدى عقود بعد سقوط نظامها العسكري الاستبدادي الذي زرع بذور هذا الخراب. إذا أردنا أن نخرج من المصير الصومالي علينا أن نلتف حول جهود البعثة الأممية، وإلا فالتدخل العسكري سيكون واردا، والمصير الصومالي هو المرجح لسنوات طويلة. فالكثيرون في الداخل والكثير من الأجندات الخارجية تسعى لعرقلة جهود بعثة الأمم المتحدة من أجل أن تكون ليبيا ملعبا فسيحا وآمنا لمثل هذه التدخلات وللمستفيدين منها في الداخل. وألم تكن الصومال ضحية لمثل هذه التدخلات التي كانت تمد الطغيان بالقوة والمال فترة الحكم الاستبدادي وما بعد انهياره؟.

"قُسمت البلاد وقتها إلى الشمال الذي أعلن استقلاله باسم أرض الصومال التي كانت تحت الاحتلال البريطاني قبل الاستقلال، والجنوب الذي كانت حالته أشد سوءا لأنه انقسم إلى عدة مناطق كان يسيطر على كل واحدة منها أحد أمراء الحرب المعروفين. لم تسلم حتى العاصمة من ذلك فقد كانت مقسمة بين الجنرال محمد عيديد المسيطر على الميناء وجل البلاد، وعلي مهدي المتمسك بالجزء الشمالي من المدينة." الملاحظ من هذا الوصف أنه بمجرد تبديل الأسماء من الممكن أن يتحول هذا المقطع إلى تقرير يخص ليبيا الآن وعاصمتها حرفيا.

حين باشر د. عتيقة مهمته ضمن البعثة الأممية في الصومال احتشد حوله مجموعة من الناس باعتبار مظهره العربي، وسألوه إذا ما كان مصريا أم فلسطينيا؟ وحين أجاب أنه ليبي، هاج الحشد من حوله معبرين عن استيائهم من جنسيته، قال بعضهم: "إن هذا أسوأ من الجنسيات العربية الأخرى لأن قائدكم القذافي كان يزود الرئيس بري بالمال والسلاح الذي كان يدمرنا به".

الفارق أن النظام الليبي السابق الذي كان يسبح فوق بحر من النفط والغاز لم يكن في حاجة لمده بالسلاح والمال، ما جعله قادرا على تخريب بلده وتصدير هذا الخراب إلى خارج الحدود، لأن للفاشيات عقدا تاريخيا تدعم وفقه بعضها البعض. هذه الثروة النفطية هي الفارق الوحيد في البحث عن الفروق القليلة بين صورتي ليبيا والصومال، وحين تراجع النفط إلى أدنى حدوده في ليبيا أصبحت الفوارق تقل، والتشابه على أشده، لتتفشى ظواهر مثل انتشار الميليشيات، أو العصابات التي تمارس القرصنة والمتاجرة في البشر والخطف مقابل فدية كمصادر لتمويلها.

يتحدث عتيقة عن ترحيب الجنرال، عيديد، باستقبال جنود المارينز الأمريكيين لدعمه، والذي كان الهدف منه إضعاف دور الأمم المتحدة الذي قطع شوطا في محاولة إحداث توافق بين الأطراف "إن موقفه هذا (يقصد موقف الجنرال عيديد) قد عجل في إضعاف دور الأمم المتحدة في وقت كان ممثلها السفير محمد سحنون يسعى إلى إيجاد حل توافقي بين زعماء القبائل والفصائل المتنافسة في بلد متجانس عرقيا ودينيا. لا زلت مقتنعا بأنه لو تركت شؤون المصالحة بين الصوماليين إلى جهود مبعوث الأمين العام لما تطورت أزمة البلاد من السيء إلى الأسوأ حتى بقيت دون حل إلى يومنا هذا.".

وحين يقول "بدون حل إلى يومنا هذا" فإنه يعني 26 عاما من الصراع الذي أفضى بالصومال لأن تصبح دولة فاشلة بامتياز يئس الداخل والخارج من إمكانية إخراجها من النفق.

لقدر قرأ من يسعون إلى صوملة ليبيا هذا السيناريو جيدا ووفقه تحركوا، ونحن لم نقرأ جيدا سيناريو آخر ضمن تاريخ تأسيس دولة ليبيا من لا شيء، حين تعاونت كل الأطراف الليبية مع البعثة الأممية بعد الاستقلال لتصل بالبلد إلى بر الأمان في زمن قياسي.

التشكيك في دور الأمم المتحدة الذي يمارسه الكثيرون جزء من سيناريو صوملة ليبيا سواء فعلوه بسوء نية أو حسنها، لأن الخيارات المتاحة في مثل هذه الأزمات التي تصل فيها الحلول الداخلية إلى طريق مسدود، إما التعاون مع البعثة الأممية مع الاستعداد لتقديم التنازلات من قبل جميع الأطراف، أو التدخل الأجنبي الذي نتيجته الحتمية تمديد الصراع وتغذيته إلى أجل غير معلوم.

بعد زيارته للصومال ومواكبة ما حدث فيها عن قرب يقول د. عتيقة، عن هذه الزيارة أنها جعلته يفهم "كيف تُخرب الأوطان عندما يسود العبث والفساد والظلم في أركان من يحكمونها بالقوة والقهر والتجويع والجهل.".

وكان هذا أسلوب النظام القديم، والنظام الوريث له حتى الآن، لأن المستفيدين من الأزمة يتكاثرون يوميا، ولأن القطاع الواسع من المجتمع الذي يريد الاستقرار لا دور له حين يصبح السلاح والمال في قبضة الأقلية المسيطرة، التي تعمل بمثابرة على تشويه وعرقلة أية بادرة للحل، والتي لا تنفك تشيع في وسائل إعلامها أن تدخل بعثة الأمم المتحدة نوع من الوصاية والتدخل الأجنبي، فقط من أجل أن يظل الطغاة فوق عروشهم، وأن يستمر القراصنة والمهربون وأمراء الحرب والمتاجرون بالبشر والمختلسون في أمان لا يهدده إلا قيام دولة القانون والمؤسسات.