Atwasat

عاصمة الإعلام العربي بلا إعلام!

بشير زعبية 6 أيام
بشير زعبية

لا أدري في ماذا، وكيف كان يفكر المسؤول الذي مثل ليبيا في اجتماع مجلس وزراء الإعلام العرب، حين طرح أو سمع مَن يطرح ويثني على مقترح اعتبار مدينة طرابلس «عاصمة للإعلام العربي» العام 2019-2020، وما هو شكل الإعلام، أو مفهومه للإعلام الذي ستكون طرابلس عاصمة له بعد عام أو عامين تقريبًا - وأنا أتحدث بالنظر إلى الوضع القائم الآن - الذي لا يحمل كثيرًا من عناصر التفاؤل إلى الحد الذي قد يكون المسؤول توقعه وهو يبتهج بإعلان قرار وزراء الإعلام العرب.

الجميع يدرك أن وزراء الإعلام العرب يمثلون، عبر مجلسهم بالطبع، الإعلام الحكومي الرسمي، وهو إعلام بينت السنون والتجارب مدى بؤسه وضيق أفقه وانخفاض سقف الرأي وحرية التعبير في محتواه، وتخلفه أيضًا في لغة الخطاب مع الناس، وينبغي أن ننظر إلى قرارهم الذي اتخذوه تحت مظلة الجامعة العربية من هذه الزاوية، أي أن الترجمة الحقيقية للقرار هو: «طرابلس عاصمة للإعلام العربي البائس» هذا إذا ظل الحال على ما هو عليه في بلادنا الآن، وهو المرجح، في ظل الظروف التي تعيشها، والحالة العامة المرتبكة إلى حد الفوضى، وإلا ماذا يمكن أن يقال عن عاصمة بلد يقبع في ذيل قائمة ترتيب البلدان التي تحترم حرية الصحافة، بلد لا تصدر فيه صحف، بل إن صدرت تصادَر، ولا توجد فيه نقابة للصحفيين، وتسيطر عليه قوى لا تعترف بحقيقة اسمها «الرأي الآخر»، ومن يجهر برأيه المخالف سيكون تحت طائلة الخطف والتعذيب والإخفاء القسري، وفي أفضل الحالات تفبرك في حقه تهمة غالبًا ما تكون أخلاقية، أما قنواته الفضائية، فهي بين نازح ومهجر، حالها من حال عديد صحفييها ومواطنيها أيضًا، وهي في مجملها، إن في الداخل أو الخارج، تحولت إلى منابر لإطلاق ونشر خطاب الفتنة والكراهية والتخوين والتعصب والقذف والتشهير، ثم يختمها المجلس الرئاسي، ومن مقره الكائن بالمدينة التي ستكون عاصمة للإعلام العربي، بإصدار قرار يعزز القيود التي يرزح تحتها الإعلام، فيبيح مراقبة الإعلام واختراق مواقع التواصل الاجتماعي والتنصت على وسائل الاتصال دون ضمانات تشريعية، ما دفع عديد الإعلاميين والقانونيين ونشطاء المجتمع المدني إلى استهجان صدور القرار والدعوة لإلغائه، وهو أيضًا ما دفع منظمة «مراسلون بلا حدود»، المهتمة بشؤون حرية الصحافة والتعبير في العالم، إلى انتقاد القرار والمطالبة بسحبه فورًا .

لو كنت في موقع المسؤول الذي حضر اجتماع مجلس وزراء الإعلام، وهو الذي يعلم أنه لا يجد صحفًا يقرأها في بلاده، لشكرت هؤلاء الوزراء على مشاعرهم الطيبة، واعتذرت عن عدم الموافقة على هذا القرار.. أما إذا قبلنا بمثل هذا القرار، فإننا نريد أن تكون طرابلس وأي مدينة ليبية عداها، عاصمة بالفعل للإعلام الحر المحترف، المستنير، المسؤول، المتفاعل مع الناس، الكاشف للفساد والمفسدين، إعلام يملك ناصية المهنة ووسائل صناعة الإعلام الحديثة، والمحمي بتشريعات واضحة تكفل حرية الرأي والتعبير وحق التقاضي، وحق الاستقصاء والحصول على المعلومات ومنع الاحتكار، إعلام منظم ينخرط فيه منتسبوه في نقابات أو اتحادات أو جمعيات ضمن المعايير والشروط المتعارف عليها دوليًّا في هذا المجال، ليمكن أن نطلق عليه في النهاية صفة «السلطة الرابعة»، وإلى أن يحل العام 2019-2020 سنرى ما هذا الإعلام الذي ستكون طرابلس عاصمة له .