Atwasat

"دُموع" الانتخابات

أحمد الفيتوري الثلاثاء 15 مايو 2018, 02:11 مساء
أحمد الفيتوري

1-
عام 2018 عام الانتخابات، لكن الكثير من المهتمين ألهاهُم (ذا فويس) = أحسن صوت، بالمشاركة في انتخاباته، وعلّ من مهتم بغيره من انتخابات كانت (دموع) أحسن صوت تعرقله عن متابعة المُراد بدقة.

لكن في كل الأحوال الانتخابات والأصوات والتصويت الصوت الأعلى في النصف الأول من هذا العام، رغم أن الحزب الأكبر الفائز في كل الانتخابات التي تم إجراؤها حتى الساعة هو حزب المقاطعين الذي نجح في أن يعطي ثقله القوي لخصومه، فالصوت المُقاطع يصب عادة في صالح الطرف الضعيف في المعادلة، لأن المُقاطع مُحتج على جماعته المشاركة في الانتخابات، واحتجاجه يتجسد في حرمانها من صوته.

لذا لاحظنا أن دموع الانتخابات جرت على خدود أحزاب وكتل افترض أنها تفوز في الانتخابات، فهي فائزة فيما سبق، فائزة حسبما تظهر الاستبيانات التي أجريت، فائزة حسب المزاج العام للرأي العام، لكن المقاطعة التي أريد منها معاقبة هؤلاء فازت بجعل خصومهم يفوزون.
إذا الكرت الأبيض لم ينفع في اليوم الانتخابي إلا خصوم المقاطعين، هذه البديهة الأولي رادفت الانتخابات العربية التي جرت في كل من لبنان وتونس والعراق، والبديهة الثانية أن هذه الانتخابات الثلاثة تدلل على أنها انتخابات نزيهة تنحو إلى الديمقراطية التي مشكلتها أنها: كل صندوق بما فيه ينضح، ولا ينضح بدموع الخاسرين. ففي هكذا انتخابات الصوت الأقوى فيها المقاطعة التي تنضح بضعف الشارع وسلبية مواطن يحصد ما يزرع فيبكي على أنه في الصيف ضيع اللبن.

البديهة أن القوي على الأرض قوي في صندوق الانتخابات، وإن حدث خلل على الأرض ستعكسه مرآة الصندوق كما حصل في ألمانيا وإيطاليا هذا العام، وإن نظرنا لما على الأرض في الدول العربية الثلاث سنجد أن المفارقة هي الفائز في الثالوث الانتخابي ما هو حاصل على الأرض، مثل تحالف اليمين المسيحي والشيعي في لبنان والتحالف غير المعلن بين الحزب الديني النهضة ونداء تونس وريث الحزب البورقيبي، ثم ما ظهر مؤخرا في العراق: تحالف (سائرون) بين الزعيم الشيعي مقتدى الصدر والحزب الشيوعي العراقي.

تقريبا حزب المفارقة هذا من حظي بالنتيجة الانتخابية لانتخابات أقوى قوى سياسية فيها هو حزب المقاطعة، ويلخص ذلك المثل الليبي (أعطى البرمة تعطيك) أي أنك ستأكل ما طبخت.

2-
المشهد في المنطقة متشابه في سرائه وضرائه وفي البدء فتأتي خواتمه على نفس المنوال، وما يميز المشهد الحالي المغطى بالدماء والمرفوعة فيه على أسنة الرماح مصيبة الإرهاب، أن تحدث انتخابات أولا، أما ثانيا أن تكون في ثلاث منها انتخابات نزيهة بكل شوائبها، وثالثا أن تكشف هذه الخطوة الأولي أن المسار الديمقراطي لا يتحقق بصندوق الاقتراع، ما هو مجرد خطوة أولى، ما هي كاشفة أنها خروج من مختنق وليست الحل النهائي الدوغما التي تُعشش في العقول.

ولعل التحالفات المفارقة ثم نتائج هذه الانتخابات تبين أن الديمقراطية ممكنة في المنطقة رغم العمل ضدها وتأجيلها بكل قوة، وأن نتائج العملية الانتخابية التي لا تأتي حسبما الرغبات والأمنيات بل حسبما الواقع، تؤشر أن الحرب يمتد مسارها في مرحلة السلم، وبالتالي أن الخلاص من مسارها هذا يحتاج لعملية جراحية خطيرة على عدة مستويات أهمها ولا شك المسار الانتخابي بكل ارتباكاته.

هذه اللحظة الاستثنائية في اللحظة التاريخية الخانقة التي أرى أنها مرحلة ثانية في مراحل الربيع العربي، ما فتح باب النهاية لمرحلة عربية عقيم امتدت منذ لحظة التحرير ما عرفت بما بعد الاستعمار. وأرى أن مرحلة الربيع العربي هذه مرحلة ما بعد التحرير، وهي مرحلة مليئة بالمفارقات ما يلخصه الليبيون في قولة هي (تحب تفهم تدوخ).

3-
الانتخابات الافتراضية، وهي الضلع الأعوج في مربع الانتخابات العربية التي من المفترض إجراؤها عام 2018، هي الانتخابات الليبية، ما أُجري مثلها في عامي 12 /2014 انتخابات ثلاث نجح فيها التيار المدني الديمقراطي لكنه خسر السبق، حيث فشلت تلكم الانتخابات في حلَ المشكل الليبي المستعصي عن الحلَ حتى اللحظة .

تباشير الانتخابات الافتراضية أعلنتها خارطة طريق المندوب السامي للأمم المتحدة في ليبيا ما افترضت أن الحلّ ممكن بإجراء انتخابات في ليبيا عام 2018م، لكن لم ينجز لهكذا مهمة غير تسجيل أسماء الراغبين بالمشاركة في الانتخابات ما قامت به المفوضية الليبية، وقد تجاوزت نسبة من سجلوا 50% ممن يحق لهم الانتخاب عند إغلاق سجلات المفوضية ما حدد بتاريخ معين، أما من يقيمون في الخارج فتقريبا لم يسجل أحد.

لكن تصاعد الاصطراع واختلط الحابل بالنابل عقب إعلان إمكانية إجراء هذه الانتخابات.

أولا: اتخذ من الجنوب مسرحا لصراع مسلح غمضت فيه هوية المتقاتلين، وارتفعت الاتهامات دون أن تُفصح عن شيء.

ثانيا: زادت اللقاءات والاتفاقات ونقضها في الحين، عما قبل.

ثالثا: شعار إلى الخلف درْ بدأ كشعار اللحظة الافتراضية الانتخابية الليبية، ولهذا عَقد اجتماع في فندق تيبستي بمدينة بنغازي، حضره أشخاصٌ معدودون من رجال النظام الديكتاتوري الذي قامت ثورة فبراير بإسقاطه، وأعلنوا تأييدهم للجيش الليبي وقائده خليفة حفتر، فيما مجموعة أخرى منهم عقدت لقاء في السنغال مع جماعات دينية مسلحة مسيطرة في غرب البلاد هي خصم الجيش وقائده.

رابعا: ظهر على السطح المرئي إعلان محاربة الفساد وتبادل التُهم بين أطراف متنفذة.

خامسا: اضطراد في التصريحات والتوكيد الدولي والإقليمي، ومن منظمات دولية وإقليمية، حول وجوب إجراء انتخابات ليبيا عام 2018.

هذه بعض المؤشرات التي على طاولة الانتخابات الليبية المفترضة، لكن هناك مؤشر بعثته لنا الانتخابات الليبية السابقة، وهو أن الانتخابات الليبية تلك كانت خارج التوقعات في مقدماتها وفي نتائجها، عليه فإن المتوقع فيما يخص هذه المسألة غير متوقع، والسلام.