Atwasat

السلام يخطف الحرب

نورالدين خليفة النمر الأحد 13 مايو 2018, 03:57 مساء
نورالدين خليفة النمر

عايش جيل ولادتي الليبي 1950 ـ 1955 واعياً الحروب الخاطفة العربية الإسرائيلية حرب الأيام الستة يونيو1967 وحرب عبور خط بارليف أكتوبر 1973. وحرب الخليج "عاصفة الصحراء" 1991، وليبياً الحرب المصرية الليبية والحرب الليبية التشادية. حرب السويس 1956 خامرت طفولتنا عقابيلها سماعاً وقراءة في المنهج المدرسي، ثم الصحف وبعدها الكُتب، ومازلنا نقرأ عنها معركة تغلّفها أسرار الحروب، ماعايشناه ولم نتحرَّ أبعاده حتى اليوم: السلام الخاطف اتفاق كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل المعقود 1978 وماعقبه من مبادرات سلمية فيما يشبه استعارة الحبل على الجرّار آخرها صفقة القرن يحيك بنودها ليس السياسي، بل السمسار.

هناك مقاربات تجمع بين القرار الدولي الذي أوقف حرب السويس الخاطفة، وقرار الهدنة للحرب الكورية. بعد عبور الجيش الكوري الشمالي عام1950 الخط الفاصل بين الشمال الشيوعي والجنوب الرأسمالي وسيطر على سيول في ثلاثة أيام، اتسعت الأزمة دولياً مع دعم الولايات المتحدة للجنوب مقابل دعم الصين للشمال، وأوقعت المعارك، ما بين مليونين و4 ملايين قتيل، وتم توقيع هدنة في 27 يوليو 1953. انتهت الحرب المتهوّرة، لتفتح بين الدولتين ووكتلتي، بل عالمي الحرب الباردة الغرب والاتحاد السوفياتي والصين الشيوعية، حربا عنونها الكاتب عبد الرحمن شلقم بـ"الحرب الخائفة" لاحرب ولاسلم بل التهديد النووي بالحرب لرواية الثلاث أجيال لعائلة السلطة في كوريا الشمالية الجدّ كيم إيل سونغ، والأب كيم جونغ إل، والحفيد كيم جونغ أون الذي كان إلى أسابيع قليلة، يريد أن يضرب الإمبريالية الأميركية في عقر دارها، ويدمر مدنها، مُهدداً بالتبعية اليابان، وبمحو جارته الجنوبية. ليلتف على كل ذلك ويحطّ، على حدود الدولة غريمته للقاء نظيره الجنوب كوري هناك. حيث وافق الطرفان، من حيث المبدأ، على إنهاء الحرب الطويلة المجمّدة بالخوف النووي التي قسمت شبه الجزيرة الكورية إلى شطرين. بل وافق زعيم كوريا الشمالية كذلك على بيان مشترك، يدعو إلى إخلاء شبه الجزيرة الكورية من الأسلحة النووية. ورغم لقائيه: الممهد مع شريكه الرئيس الصيني والخاطف المنجز مع غريمه الكوري الجنوبي، ولقائه المحتمل الخاطف للأضواء والصور مع الرئيس الأميركي إلا أن محلل الـ "نيويورك تايمز" مارك لندلر يصفها بلقاءات واتفاقات بدون تقديم تنازلات باستعارة مجرّد حبر على ورق .

الذي دعاني لاستدعاء حروب السويس الشرق أوسطية الخاطفة، وأنا أكتب عن الانتهاء الخاطف والمحتمل للحرب الكورية الخائفة ؟! روح النعي العربي التي لمحتها في الكتابة الصحفية العربية عن الحدث الكوري ـ الكوري، وهي تُقارن بين حربين، وفضائين، بل ذهنيتين مختلفتين للحرب والسلام. فما إن انفض لقاء الزعيمين الكوريين، حتى بدأ كُتاب الصحافة العرب بنعي شعوبهم وقيادتهم السياسية وتبجيل الزعيمين الكوريين ذوي الحكمة اللذين أنهيا بجرّة قلم نزاعاً دام لسنوات.. دون خسائر بشرية ولا مالية من كل الأطراف، لأنهم ليسوا كالعرب.. الذين يبتزهم ترامب أمريكا ومن قبله "بفزاعة ايران".. بعد أن أقنعوهم بأن: حل النزاع عسكري فقط!!.

بهذه الكتابة نُعاد مجدّداً إلى حس المقارنة التعسفي، القديم، الذي جمع بين رأي الحكيمين المختلفين والمتعارضين تعارض السماء عن الأرض الفيلسوف أفلاطون الإلهي الأستاذ والفيلسوف أرسطو الدنيوي تلميذه بقلم تلميذهما الموفق أبو نصر الفارابي،أول من استّن في عقلنا العربي مبدأ التلفيق .

التلفيق يكمن أولاً في المقاربة بين الخطر الإيراني في المنطقة العربية والإسلامية والخطر الكوري الموجه ضد البلد شقيقه فالمقاربة هنا تعوزها الدقة. أول نقطة نقد أن الصراع الكوري الكوري مازالت قوانين الحرب الباردة التي يجدّد الرئيس الأميركي بتصريحاته وتصرّفاته اليوم معالمها، قادرة على ضبطه والتي طوال العقود السابقة كانت قد حكمته. بينما الغزو الإيراني النافذ منذ مايقارب العقدين في بلدان عربية متفرقة لبنان وبعدها العراق ثم سوريا وأخيراً اليمن لا تحكمه قوانين. فاتفاقية سايكس بيكو لم تعد لها فعالية، لأنها رسمت بعد الاستعمار فالدول الاستعمارية النافذة وقتها حاليا اختفى نفوذها عكس الحرب الباردة ودولها أميركا وروسيا المجدّدة عن الاتحاد السوفياتي والصين القوة الاقتصادية العالمية الكاسحة .

النقطة الثانية أن كوريا المهدِّدة بالسلاح النووي لجارتها هي كوريا التي انقسمت عنها منذ عام 1948 بأيديولوجية صارت اليوم حسب تطورات السياسة الدولية والعولمة الاقتصادية والثقافية في حُكم النافلة. بينما في منطقة النزاع الشرق أوسطي فالدولة التي تمتلك السلاح فعلياً هي إسرائيل الكيان المزروع غربياً منذ عام 1948 والذي مازال يتغول باستعارة السكين في الجرح العربي النازف منه. والكيان الثاني إيران الجمهورية الأيديولوجية الإسلامية، المتهمة من البلدان العربية بأنها قومية تتربص لامتلاك السلاح النووي، وقد قطعت أشواطاُ للاقتراب من حيازته، للقضاء على القومية العربية ومواجهة إسرائيل التي تضاده بفيتو بديلاً عن العرب الذين يقفون على الحدود كخيال المآتة .

ثالثة الأثافي، أن المقارنة بين النموذج الكوري ـ الكوري حرباً وسلاماً خاطفين وحرباً جمّدها الخوف النووي سنوات1953 ـ 2018، وبين النموذج الشرق أوسطي سلاماً محارباً بذهنيات مختلفة مسلحاً بأسلحة تقليدية يراكمها المال والنفط متربصا لأسلحة نووية محاربوه الثلاثة يستريحون دائماً لحرب قادمة:إسرائيل والعرب وإيران. وهذه المقارنة والمقاربة تستبعد الفارق الأيديولوجي، ففي شبه الجزيرة الكورية: كوريا الشمالية عنصر الصراع الأساسي وحافظتها الصين، يمكن أن نطلق عليهما فضاء الأيديولوجية الغاربة، وبرجماطية العولمة الحاضرة، بينما في الفضاء الشرق أوسطي ففي إسرائيل يحصل النزوع الديني المتطرف على حصته الحزبية الثابتة في علمانية الدولة الإسرائيلية باستمرار، وفي إيران يتأسس منذ عام 1980 تطرّف مذهب عقيدة، يلهم مشايعيه في الفضاء العربي، ليقمحمهم في مشروع دولة العقيدة القومية، فيربك الأيديولوجيتين الإسلام والقومية. وفي البلدان العربية يبدو المشهد معقّداً تخترقه الأيديولوجية بتنوعها الدراماتيكي فمواقف الدول العربية متباينة، صرّحت بذلك أو أضمرت السعودية قائدة التأجيج ضد إيران ومعها الإمارات، تتفقان مع الموقف الإسرائيلي، وهو إلغاء الاتفاق. بينما تناوئه غريمة السعودية إمارة قطر المرتمية بسبب الحصار الخليجي لها في أحضان إيران، وتتمنّع من اتخاد موقف شبيه أطراف خليجية كالكويت، وعُمان ذات العلاقات الوثيقة بإيران والتى كانت قد استضافت فى أراضيها اجتماعات أفضت إلى إبرام اتفاق سنة 2015 .أما العراق المُهيمن عليه إيرانياُ عبر طبقة حكمه المتشيعة، فهو لاحول له، وحزب الله قبضة إيران الرادعة المهيمن على القرار السياسي اللبناني فإلغاء الاتفاق يسحب عنه رخصة المشروعية. أما مصر فهي مرتبطة باتفاقية سلام مع إسرائيل، ولها أواصر وطيدة بكل من السعودية والإمارات ولا تقيم علاقات دبلوماسية مع إيران.

يُرجع خليل الجرّ في كتابه "تاريخ الفلسفة العربية" نزعة الفارابي التوفيقية إلى باطنيته المعتمدة مبدأ التأويل، فتقصّد التقريب بين النظريات وعمد في ذلك إلى التأويل مفتاحا لكل صعوبة. الأخطر في ذهنية توفيق وتلفيق الفارابي ـ وهو ما يسري على الكاتب في الصحافة العربية اليوم ـ أنه يمرّ على العقبات فلا يعيرها اهتماما، ويتجاوز الاختلافات فلا يتنبّه لها القارئ. ولكن ليس كل قارئ !