Atwasat

رخوّ القوقعة

نور الدين خليفة النمر الأحد 06 مايو 2018, 02:36 مساء
نور الدين خليفة النمر

يقدر الكائن بل أكثر الأحياء هلامية ورخوية "الحلزون" على صنع قوقعة صلبة، ينغلق فيها على ذاته تماماً. هذا ما درجنا على تسميته في مقالينا السابقين بـ"الإبيسيّة"، وهو ما نحاول فهمه ظاهراتياً وحتى من الزاوية السيكولوجية، فمحاولتنا ليست مسعىً عبثيا. أنها تبرز أمامنا تلقائياً بمجرّد أن نعود إلى الشيء ذاته، كما يقول الظاهراتيون ويتابعهم في ذلك غاستون بشلار. أي بمجرّد أن نبدأ بالحلم بالبيت الذي ينمو بتناسب مع جسد ساكنه، ونسأل أنفسنا كيف ينمو الرخو في سجنه الحجري، الحلزون العنيد؟ الذي عنون به في سياق آخر رشيد بوجدرة بالفرنسية روايته.

انشطرت سيرة الطفل في نصوص عُمر أبوالقاسم الككلي في مقالينا الآنفين بين اليوتوبيا المتصوّرة رغبوياً وبين الدستوبيا المُعاشة تخييليّاً، في ـ بضعة من طفولة ليبية ـ مُهيمن عليها "إبيسياً"، في عالم تظلّله القسوة وتسوده الفضاضة وتحف به مظاهر الخشونة وشظف المعاملة: "كان أبي قاسيا وخشن المشاعر، ولم تكن أمي تختلف عنه كثيراً(...) ومنذ البداية وجدت نفسي في مناخ من القسوة. [انعدام الحماية قناة.218] .فثنائية مناخ القسوة، وإنعدام الحماية تلجئنا إلى الأخذ بالمزج الباشلاري بين طرائق السيكولوجيا و"الظاهراتيات"، بما أسماه ببسكولوجيا الشاعرية وبما أن نصوص الككلي ترواح بين تخييل القص، وسرد السيرة بتخييلها، فنواصل ما بدأناه بتحرِّينا للمجتمعيات في سيرة طفولة ليبية .بالكتابة، إشارةً للقوقعة، بأن تصيرإنسانية.

يبوح السارد بضمير الأبن :"لا أتذكر أنه قبّلني أو احتضنني أو داعبني أو مزح معي مرة بعد أن تجاوزت الخامسة أو السادسة من عمري (...) ما من شك في أنه (أبي) أحبني. ولكنه حب لم يبده هو و لم أستشعره أنا. حب مقلوب، يمكن القول.أنه يتجه إلى داخله هو بدل أن يتجه خارجا نحوي. حب دفين مرصود في صندوق سميك صلب كنواة اللوزة الصماء.[أبي ـ منابت الحنظل]". إذا شبهنا الحب الأبوي برخاوة الحلزون مرة، ومرة بصلابة نواة اللوزة الصماء، والقشرة اللوزية بالقوقعة. فإننا ندخل في إستعارات بسيكولوجيا الشاعريات. ليس هذا فحسب فالحب الأبوي، كما يبدو في سرد الككلي مُتصلٌ صورياً بالكائن الحي الذي يخرج من القوقعة،أو القشرة، ولأنه لايخرج كلية فان الجزء الذي يخرج يناقض المتبقي في الداخل، وهو ما يسمه بطابع الديالكتيكية :"كان كثيرا ما ينبهني: - قاعِد الَّقِّطْلِكْ فيهم. يقصد الأخطاء. وبالطبع أنا لا أعرف ما الذي يعتبره خطأ وما الذي لا يعتبره. ذلك أنه لم يزودني بلائحةكاملة بأنواع السلوك المحظور ودرجات العقوبات، فأظل أتصرف عفويا، لأفاجأ به أحيانا ينقض عليَّ، دون سابق إحاطة، ويوسعني ضربا وسط اندهاشي وجهلي لدوافعه". [ الهجوم المضاد ـ قناة 218 ]

يكتب بشلار في جماليات المكان عن لسان"قس فاليمون": عندما تتعلّق المسألة بالطبيعة فمن النادر أن نجد أنفسنا في وضع مألوف، فمع كل خطوة هناك شئ ما يهين ويعذب العقول المعتزة بذاتها". هنا تبدو الديالكتيكية بحديّها وضع تتبثة الأبيسية للبنوية، ونزعة تمرّد تنمو دون أن تتحدّد ماهيتها بالمعرفة"، ورغم أني كنت أصغر أبنائه الذكور إلا أني لم أكن، خلاف ما هو متوقع، أثيرا لديه. ما ظل يزيد الفجوة بيننا عمقا و اتساعا أنني كنت قد ألقيت بنفسي منذ فترة مبكرة في حمأة التمرد والعصيان ثم أفكار وقيم الثورة في مختلف أبعاد الحياة و تفاصيلها.[أبي]. "قبل أن تتجاوز سنوات عمري أصابع اليد الواحدة صرت أشعر أنني لست على وفاق مع أبي، وأنه لا يمكنني فهمه والتفاهم معه!(...) لست أدري كيف استبطنتني نزعة التمرد منذ سنوات عمري الأولى(...) قبل أن أعرف اسم هذه النزعة وماهيتها. ربما من العنف وشظف المعاملة اللذين واجهني بهما أبي، واللذين لم أجد لهما مبررا حتى في حدود تفكيري في ذلك الوقت [الحلم بأبي]. لقد نجحت الأبيسية ـ كما بيّنا ذلك في تغليط الأبوية ـ في تتبيث قابلية البنوية أن تكون محلاً لممارسة العنف الرمزي تبخيس الذات وتغليط حقيقتها، بل تعدى الأمر إلى العنف المادي بالضرب غير المعلول بسبب إلى سن الشباب المُبكر وقد تفتقت مواهب التفكير والكتابة: "آخر مرة ضربني كان عمري حوالي سبع عشرة سنة، وأظن أنه نشرت لي قصة أو قصتان. وقفت وقلت له بحزم وسط بكائي:– ما عادش تضرب مرة ثانية!. أيوه![ الهجوم المضاد] .نعود إلى بشلار فنصف طبع الأب بـ "برخو الحلزون" الذي لايخرج كله والجزء الذي يخرج يناقض المتبقي منه في داخل "القوقعة الحجرية". التي إصطلحنا عليها آنفاً بـ"الأبيسيّة"، وبما أن القوقعة وسيلة لحماية الحيوان الرخوي الذي يعيش داخلها، فسيكون شعار إبيسية الحلزون العنيد: علينا أن نعيش لنبني بيتاً، لا نبني بيتا لنعيش فيه".

وهنا نتكشّف "إبسية" أب الككلي في سرديات عدة نشير هنا إلى ثلاث مفارقات فنومنولوجية تلتبسها: المحاججة المنسدة بعناده[الهجوم المضاد، الحلم بالأب]، جمعه بين الهشاشة والفضاضة بل القسوة في سلوكه [الهشاشة في "السجنيات" التي يرد فيها الأب، وقصة "أبي" في منابت الحنضل" التي تتقاسمها الهشاشة والفضاضة]، و شبيه الأزاحة في إستعارته السردية، وأعني طرافته التي تنقلنا إلى أفق مغاير، وهو ماعبرنا عنه بمقالنا "ما نقرأه دُعابة في السيرة"، فيما تجليه قصة "نقل البقرة" المنشورة في موقع بلد الطيوب14 يونيو 2012، بما نبتعد به مؤقتاً عن إلتباس الأبيسيّة بصورة الأب الدستوبية، فتُشرع لنا أبواب شبه يوتوبية يفتّحها مانقرأه دُعابة في القصص والنُبذ السيريةالمتمحورة حول أب آخر ربما هو أبي وليس أبي ممثلاً في نموذج حكوي، نستمتع به للمرة الثانية في سرد الككلي،المرّة الأولى فيما ترجمه وما قرأناه معرّباً من مترجمين آخرين، لسلاسة عوالم الكاتب الأميركي ـ الأرمني وليم سارويان، ونعني القصة السيرية التي يُشار فيها إلى أشخاص العائلة بأسماءهم، ولكن غرض الككلي تحوير الطرافة السارويانية لتكون كاشفة لهشاشة إبيسيّة الأب ومتعلّقها العائلي أم وأخوة، وجعلها عبر الطرافة، أو الدُعابة هذه المرّة محل تعاطفنا مع إنسانية ضعفه، في قالب حكوي رشيق يجمع بين المرافعة والأعتراف الذي نبدأ به.

في الحكوية الساردة بضمير الطفل في قصة "نقل البقرة" وقد بدا الأعتراف ، وهنا مبعث طرافته نتيجة باهرة تحرّر في نهاية القصة الطرفين الأب وولده من شبكة الأبيسيّة "ولعدة أيام ظل يقلب الحادثة في ذهنه. فرح باكتشافه أن أباه قد خاف منه!. وفرح باكتشافه أنه قد أسدى خدمة لأبيه بصمته. ومن ناحية أخرى، أحس أنه تحرر من الحرج الذي كان يتحرك في نفسه حين لا يقول الحق“.[ نقل البقرة] . الملفت في ديالكتيكية السردية "إبيسية ـ بنوِّية" محل درسنا في سيرِّية الككلي : التسويات، بماتعنيه التسوية بالانجليزية "evening up " أي تعويض الخسارة من الجانبين .فبالامكان التوفيق بمعايشة هذه الحياة الجزئية مرة أخرى، بالكتابة ضبطاً محكماً لحياة منحت نفسها شكلاً ،وإن كان قوقعة حجرية، أو قبر يخرج منه صوت رخوٍّ نتصوره من تحت التراب يرافع عن نفسه ويقول "ما بيتش نكدركم ونثقل عليكم. طلعت من الدنيا زي ما خشيتها. عشت فيها و ما طلبتش منها غير الكرامة والستر. سايرت الزمان زي ما طاب خاطره، حاذيته، لاجربت نسبقه و لا لهثت وراه، وما كانش هذا ساهل. السمى ما طايلها حد والوطى عشت عليها، سافرت فيها آلاف الكيلو مترات و حرثتها و زرعتها، غرست وعربنت ولقمت فيها آلاف الأشجار ياما كلت منها و ما زالت تاكل ناس و حيوانات، تعفر جسمي بترابها و خش غبارها ريتي. أنا بلقاسم بن محمد شلِّيق بن احمد بن سعيد، الككلي، ولد عيشة بنت عبد الصمد، درت إلِّي وصلّني ليه عقلي وقدرت عليه، وإذا كان ما جبدني حد بخير مااظنش فيه حد بيجبدني بشر".

إن ديناميّة الصور في الديالكتيكية المتطرّفة، تُعلن عن نفسها، حقيقةً تتوّهج بالحياة ،في ثنائية خفي وظاهر.فرخوّ القوقعة الذي ينسحب داخل قشرته كقلب اللوزة الصماء ،إنما يعدّ نفسه للخروج، بما تصدّقه الاستعارات، من الانفجار المفاجئ لشخص تكلّمته طوال حياته الأبيسية بمنطّق فرضه عليه تطبّعه وليس طبيعته الى إنبعاث الانسان من قبره، وإذا بقينا في قلب الصورة موضع الأستشهاد، فاننا نخرج بانطباع، بأن الكائن الذي يسكن مؤقتاً في قوقعة موته يتأهب بأنفجار كلام آخر أو بالأحرى لعاصفة.