Atwasat

رسالة إلى السيد فائز السراج

أحمد الفيتوري الثلاثاء 01 مايو 2018, 12:48 مساء
أحمد الفيتوري

تحية طيبة وقبل،
لقد كتبت إليك السيد المهندس أول مرة عقب إعلانكم رئيسا للمجلس الرئاسي كنتيجة لاتفاق الصخيرات في ديسمبر 2015، الآن غدوتم في سنة ثالثة رئاسة وفي دول عدة الدورة الرئاسية لا تتعدى سنوات أربعا، أما بموجب الاتفاق اللا متفق عليه فإن مدة رئاستكم قد انتهت، من هذا فإن العصا التي أتوكأ عليها لها مآرب أخرى منها أني أستخدامها لأكتب إليكم ذي المرة بصفتكم الشخصية لا الاعتبارية.

فأنتم إلى جانب صفتكم الاعتبارية لكم تاريخ شخصي ذو علاقة بالسلطة، فوالدكم السيد مصطفي السراج تبوأ مناصب منها الوزارة، لكن مثلي لم يعرف أيما شيء عن ذا الجانب في شخص والدكم من عرفته ككتاب صحفي قبل. حين كنت أراجع أعدادا من مجلة ليبيا المصورة التي صدرت في العهد الإيطالي بمدينة بنغازي، ولفت انتباهي في عدد صدر سنة 1940 مقالة كتبت عن ميدان البلدية بالمدينة وقع باسم مصطفي السراج وقد ضمنت المقالة كتابي (سيرة بنغازي). كذا لم أعرف عمكم سعيد السراج إلا ككاتب مسرحي فاقترحت تكريمه في الدورة الثانية من مهرجان المدينة، وقد حصل ذلكم دون أن نعرف أو نعير أي أهتمام لأي منصب تبوأهُ.

بهذا ترون أن الثقافة ومن خلال الصحافة وغيرها أبقى وأهم وأكثر فاعلية حتى عند الصعاب والظرف غير الملائم، بل إن القوى الناعمة ركيزة البشر للمقاومة ومن أجل الحياة حين يخيم الموات، وحتى أننا في السجون الليبية أصدرنا الصحف والمجلات والكتب المؤلفة والمترجمة، وعند الثورة عجت بنغازي ثم ليبيا بهذا، وتجاوزت الصحف الصادرة المئات والمجلات الرفيعة المستوى والمناشط الثقافية الجمة.

أما بعد
لقد تابعت زيارتكم للمعرض التشكيلي للفنان بشير حمودة خلال هذه الفترة، ولحظة إعلانكم كرئيس لمجلس الرئاسة زرتم اللاعب الشهير الهاشمي البهلول في المستشفي لمرضه، وكما في الأولى في الأخيرة لم يتعدَّ هذا الفعل المحمود الدعاية والتمظهر الحضاري ما فائدته لمستشاريك وأنه يذهب كما أضغاث البث التلفزيوني.
فإن مدينتكم عاصمة البلاد ليس بها جريدة محترمة ولا مجلة ولا تصدر الكتب بل تُصادرها، المدينة التي أصدرت جريدة (طرابلس الغرب) عام 1866 ومجلة (الفنون) وغيرها، وفي لحظة قتال الاحتلال الايطالي كانت تعج بالصحف أما غبَ الحرب الكبرى الثانية فحدث ولا حرج.

سأذكر لك واقعة من تاريخ مدينتك عاصمة البلاد (طرابلس الغرب)، جاء بها كتاب (كفاح صحفي) لشيخ الأدباء الليبيين على مصطفي المصراتي، أنه عام1908 تصدر بالمدينة جريدة (بوقشة) الساخرة –بالمناسبة (بوقشة) كانت كنية للقرد في اللهجة الطرابلسية حينها، ومن ذا شعار الجريدة المرسوم على الصفحة الأولى قرد-، وفي أحد أعدادها نشرت عن إضراب تلميذات لا يتعدى عددهن أصابع اليد عن الدراسة لأن البيانو عاطل، ومرة السيد صاحب الجريدة ورئيس تحريرها ركب الباخرة إلى مدينة بنغازي لأن شكوى وصلته من أحد قرائها في تلكم المدينة حول توزيعها، فالحاضرة مدينتكم عاصمة البلاد حاضرة تتابع توزيع صحف البلاد وتصدرها. وبهذا يمدح البشر أما في الحين فإنني إن أردت مدح مسئول خلال نصف قرن 1969 /2019: إن فلانا لم يسيء لأحد وفي هذا أيضا ثمة لائم.

عود على بدء
أكتب إليكم ملخصا أن المناصب ككرسي الحلاق، أو كما قال المثل الشعبي، وفعلها تذروه رياح نزوات السلطة، وأن أي إنجاز لا يُدون أيضا تذروه رياح الحياة.

لكن الإنجاز الأهم سبقكم إليه مؤسسو دولة البلاد الحق: مرة عقد بمقر (جمعية عمر المختار بفرع درنة) مناظرة حول أيهما الأهم الصحة أم التعليم؟، المناظرة تمت بين الشاعر إبراهيم الأسطى عمر رئيس الجمعية بالمدينة من انبرى بفصاحته وبيانه مدافعا عن الصحة، والآخر عبد الله سكته سكرتير الجمعية من ركب منبر الدفاع عن التعليم، من نجح موكدا أن التعليم هو ما يحفظ الصحة بالطبيب والممرضة والصيدلي، وقبل بنشر الوعي بالوقاية، وقبل القبل بتوفير مكنة العمل وجلب المال للغذاء والصحة.

هذه بديهيات العيش المغيبة بفعل أزيز الرصاص وقنبلة الساسة لكن في الأول والأخير ما لا يطال كله لا يترك كله، فالقوى الناعمة هي مما يطال التي هي فاعل الثقافة والصحافة وأن التدوين أفعل وأبقى.

وقد شاهدت السيد غسان سلامة في ملتقي (الكاتب الليبي الغائب الحاضر) وقد أزاح عنه لبوس المبعوث السامي فكان كما هو المفكر، من وكد على أنه صاحب باع بالميديا الكترونية وأن من هذا خلص وعلم أن يأخذ الكتاب بقوة.

لعل وعسى من هذا تعيد إحياء جريدة (طرابلس الغرب) و(الحقيقة) و(فزان) و(الأسبوع الثقافي)، ومجلة (الفنون) و(ليبيا الحديثة) و(ليبيا المصورة) و(المرأة الجديدة) و(الجيل الصاعد) و(الرواد) و(جيل ورسالة) التي يصدرها كشاف ليبيا وكانت أول مجلة عربية توزع كتابا مجانا مع عدد المجلة، و(قورينا) التي تصدرها كلية الآداب، و(التراث)، و(الإذاعة).

أما عودة الروح فإنها عودة الوعي بالكتاب ما أنه كفيل به دعم القطاع الخاص، بشراء نسخ من الإصدار الجديد ومن الكاتب الناشر ما تكفلت به قوانين الدولة السارية المفعول. وسيتنطع قائل أن ليس ثمة ما نمول به الخبز، فسأردد القول المأثور عن المسيح عليه السلام: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان.

موكدا من ناحية أخرى بأنني منذ خلقت والدولة ليس في جعبتها قول غير هذا: ليس ثمة ما نمول به الخبز، بل وأن الكثير من ليبيي المال لا تسمع منه إلا أنهم مفلسون أو يكادون.
ورغم هذا هناك إجماع ليبي على أن المسألة الليبية مسألة ثقافية يُكررها الأمي الجاهل وفطاحل العلم ومكتنزو المال، المشكل الليبي انعدام الوعي ويتداعون زرافات ووحدانا على كتيب لمؤلف غير ليبي كإنجيل وخارطة طريق تبين وتوكد نظرتهم هذه.

السيد فائز السراج
كما أولا أخيرا هذه رسالة شخصية والله من وراء القصد والسلام عليكم.