Atwasat

العِلمُ والعَلَمْ

محمد عقيلة العمامي الثلاثاء 01 مايو 2018, 12:43 مساء
محمد عقيلة العمامي

قال راديو موسكو عن ستالين أثناء حكمه: "الرجل الذي لا نهاية له، الذي يشبه النور والمحيطات". أما إذاعة روسية المحلية، قالت على لسان طفل، يزور الكرملين: "لا أستطيع أن أصدق أنه عندما يحل الظلام يذهب ستالين إلى فراشه وينام كما ينام البشر. ويبدو لي أنه هو من يدير مفتاح ضوء الشمس بيده كل صباح..". وقال رجل عاقل عن ستالين: "أنه كالشمس، عالٍ مضيء قوي تنبعث منه الحرارة التي تغمر شعوب الأرض بالدفء..". وبلغ من الأديب العالمي (تولستوي) صاحب رواية الحرب والسلام ذائعة الشهرة أنه قال لستالين: "أنت أكثر من الشمس؛ فالشمس لا حكمة لها" وأعلن راديو براغ ذات يوم: "أن ستالين اسم آخر للخلود..".   

ولم تمض سوى ثلاث سنوات على موته حتى قال عنه أقرب رفاقه: "وغد وقاتل.." وهو الذي نعاه في عبارات دامعة: "لقد توقف قلب القائد والمعلم الحكيم عن الخفقان، وسيعيش اسم ستالين الخالد العزيز علينا دائما إلى الأبد في قلوب الشعب السوفيتي وكل البشرية التقدمية".

ومن بعدما أن شيدوا له التماثيل، التي بلغ منها ما وزن  35 طنا من النحاس، وهو الذي شُيد عند مدخل القناة التي تصل نهري الفولجا والدون، وتمثالا آخر من المرمر الملون في محطة موسكو الأرضية، وثالثا على قمة جبل (البروس) في القوقاز، ترتفع  حوالي 19000 مترا عن سطح البحر؛ قال رفيقه خروتشيف لأعضاء اللجنة المركزية: "أن تقديس الفرد شيء مستنكر، يتنافى مع روح الماركسية اللينينية"  ناسيا أنه هو الذي قال عند موت ستالين: "فليعش، في قلوبنا إلى الأبد، الزعيم الحكيم للحزب والشعب، إنه الملهم والمنظم لكل انتصاراتنا.. عاش الرفيق ستالين".

غالبا ما يبحث البشر الذين يصنعون الآلهة بالسبل كلها على إيجاد مبررات بحجم الحياة نفسها على نسف ما صنعوه. لا يذكرون لأبنائهم سوى ما يريدونه، ينسون أو يتناسون ما حققه لهم أولئك القادة الذين غنوا لهم لدرجة تأليههم.

أنا لم أكن يوما ماركسيا ولا شيوعيا، لم تكن لي أية انتماءات سياسية على الإطلاق، ولم أتناول في كتاباتي سوى المسائل الاجتماعية أو العاطفية الإنسانية، وأنا لا أدافع لا عن ستالين ولا عن الشيوعية. كل ما في الأمر أنني قرأت عن جيوش من العلماء في الاتحاد السوفيتي،  فعدت إلى ما كنت قد قرأته من قبل ولخصته في الأسطر السابقة عن ستالين من دون أن أضف شيئا إليه.

في ستينيات القرن الماضي، أغدق الاتحاد السوفيتي المنح والمكافآت على العلماء والمهندسين الشباب. كان ستالين  قد  نبه وأنذر شعبه، في العقد الرابع من القرن نفسه وقال: "نحن متخلفون عن العالم المتقدم  بحوالي مئة عام وينبغي أن نقلل المسافة؛ فإما أن ننجح أو ننتهي.. فتعلموا.. تعلموا" ولقد وظف جيش بلاده لهذا العمل الجبار.

في الخمسينيات أعلن  (نيكولاي بولكانين) بزهو أنه لروسيا الآن حوالي خمسة ملايين عالم وإخصائي. وسوف يزدادون أربعة ملايين آخرى في الستينيات.

لقد حققت روسيا ذلك عن طريق نهضتها المثيرة في التطبيق العلمي عن طريق إعادة تنظيم جهازها التعليمي. أخذ الروس يهتمون بالأطفال الموهوبين ويلقنونهم العلم بإشراف هيئة من العلماء وصار لهم في الستينيات 25 جامعة  تُخرج علماء متخصصين و200 معهد  لتدريب المهندسين، فنجحت تماما لدرجة أن أمريكا نفسها اعترفت أن ما أنتجته روسيا من العلماء والمهندسين يفوق ما تنتجه أمريكا.   

في ليبيا صببنا مشاكلنا التعليمية كلها على الرجل الذى قلنا عنه: "ما هبت نسمه على بلادي إلاّ بقدومه.." على الرغم من أن بعض أفكاره التعليمة مأخوذة من تجارب الآخرين الناجحة، من دون أن نغفل أن الكثير مما طبقه لم يكن في صالحنا، بأي حال من الأحوال، ولعل إلغاء اللغات الأجنبية على رأس قائمة هذه الأخطاء، ولكن لا ينبغي أن ننكر أنه خصص  مدارس للموهوبين وفتح الباب أمام طلب العلم - في بداية حكمه للجميع- وإن اقتصر، فيما بعد، على فئة دون غيرها. وقامت ثورة فبراير على نظامه بسبب الكثير من الأخطاء وعلى رأسها التعليم. فماذا  قدمت ثورة فبراير للتعليم طوال السنوات السبع العجاف؟.

لا شيء، سوى الحرية للمعلمين في أن يُضربوا ويعتصموا مطالبين بحقوقهم، ولكن الأدهى والأمر من ذلك كله أنهم يساومونهم بتخفيض سقف مطالبهم بسبب الحالة الاقتصادية، في حين أن (بعض) القائمين على البلاد ينفق الفرد منهم  شهريا ميزانية مدرسة كاملة؟ ولو أنفق على المدارس 10% مما ينفق (هنا وهناك)  لتبدل حال التعليم، والصحة وكذلك العافية.

ليبيا تحتاج لجيش قوى،  يقوده رئيس مخلص يعلم أن الحل في ليبيا هو الحاجة الملحة للعلمِ وليس (للعَلَمْ)  ويعمل بالهمة والسبل كلها على تنفيذ ذلك، ولا أعتقد أن مواطنا واحدا سيُمانع إن أُقيمت له تماثيل بعدد شوارع ليبيا.